محمد السيد عبد الرازق
"الرسالة".. هذه الكلمة جمعت بيننا في المقال السابق، إذ أن محتوى المقال كان يدور حولها، ولعلنا وعينا جيدًا أن الهدف من وجودنا في هذه الحياة، هو هدف كل مؤمن بالله، أن نمضي حياتنا في عبادة الله عز وجل، فنحوز سعادة الدنيا والآخرة جزاء وفاقًا ولا يظلم ربنا أحدًا.
وانتهينا إلى أن مضمون رسالتنا لابد وأن يكون: تحقيق العبودية لله تعالى وإقامة خلافته في الأرض، وهذا هو الجزء الثابت من رسالتنا الذي لا يتغير ولا يتبدل، غير أن كل منا مخير في صورة الرسالة التي يتبناها ويسعى من خلالها لتحقيق هذا المضمون، أي أن تختار أيها الشاب المؤمن التخصص الذي يناسبك في الحياة، ومن خلاله تستطيع المساهمة في إقامة خلافة الله سبحانه في الأرض، بما أودعه الله فيك من إمكانات وقدرات.
(فإنك شيء فريد في هذا العالم إنك نسيج وحدك، فلا الأرض منذ خلقت رأت شخصًا يشبهك تمام الشبه، ولا هي في العصور المقبلة سوف ترى شخصًا يشبهك تمام الشبه) [ديل كارنيجي].
فاستعد لاستقبال تخصصك وتحرير إمكاناتك وإطلاق مساهمتك في إعمار الأرض، وقبل ذلك وأثناءه وبعده توكل على الله سبحانه.
قبل الكلام...
وحتى تحقق أعلى النجاحات في تخصصك الذي اخترت، تأكد تمامًا أن هذا التخصص مناسب لإمكاناتك ومواهبك التي حباك الله إياها، فرسالتك لا تريد منك أن تكون واحدًا أو اثنين أو ثلاثة بل تريد منك أن تكون رقمًا صعبًا، أن تكون متميزًا وبارعًا ومحترفًا، والطريق يبدأ بمناسبة التخصص لشخصيتك.
حينها تستشعر أن رسالتك نابعة من نفسك وكيانك غير مفروضة عليك، وها نحن نعينك ونقدم لك مجموعة من الأسس الهامة التي تساعدك على اختيار التخصص المناسب لك؛ حتى تكون فيه رقمًا صعبًا، وتبلغ من خلاله آفاق النجاح.
أنت نسيج وحدك:

أنت مختلف ومتميز، أنت نسيج وحدك فلا تكن غير نفسك، (بمعنى ألا تقلد غيرك تقليدًا أعمى، فتهفو إلى أن تصبح مثل فلان أو علان من النماذج الناجحة؛ لمجرد أنك رأيت الناس يعجبون به ويثنون عليه، حتى ولو كان مجاله وتخصصه لا يناسب ميولك وإمكاناتك، وساعتها ستكون كالمـُنْبَتِّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، أو كذلك الغراب الراقص الذي أراد أن يتعلم مشية أحد الطيور فلم يستطع، فلما أراد أن يعود إلى مشيته نسيها، فكان مشيه مثل الراقص الأبله) [إدارة الذات، د. أكرم رضا، ص (35)].
وها هو ديل كارنيجي الكاتب الأمريكي الشهير، يحكي لك قصة وقعت معه علمته ألا يكون غير نفسه، وها هو يبثها إياك لتتعلم منه وليختصر عليك الطريق: (عندما قدمت إلى نيويورك لأول مرة من مزارع الذرة في ميسوري التحقت بالكلية الأمريكية للفنون المسرحية إذ كنت مصممًا على أن أصبح ممثلاً، كانت لدي فكرة اعتقدت أنها رائعة وأنها طريق قصير وسريع للوصول إلى النجاح، حتى إنني لم أفهم لماذا لم يكتشفها آلاف الطموحين قبلي، كنت أدرس كيف توصل الممثلون المشهورون إلى أهدافهم وبعد ذلك أدرس وأقلد أفضل مزاياهم وصفاتهم، فأجعل من نفسي نجمًا ناجحًا ولامعًا، لكن هذه الفكرة كانت سخيفة وواهية؛ إذ كان علي أن أمضي عدة سنوات من حياتي أقلد الآخرين قبل أن أكتشف الفكرة الأكيدة والأساسية، وهي أن أكون ذاتي، وأنني لا يمكن أن أكون غير ذاتي) [كيف تتعامل مع الناس، ص (18)].
وليس هذا بدعة من القول، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم سيد المربين، كان يربي صحابته على التميز والتباين والاختلاف: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأكثرهم حياءً عثمان...) [رواه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الجامع].
(ولذا فقد وجدنا منهم رضي الله عنهم الخليفة كأبي بكر وعمر، والقائد العسكري الفذ كخالد وعمرو، والعالم الفقيه كابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين. فالأمة تحتاج جميع التخصصات لكي تقوم وتنهض وتستأنف حياتها الإسلامية من جديد، فالحياة تؤسس بنيانها الرسالة النبوية، ويرفع عمدانها رجال تكاملت توجهاتهم وتخصصاتهم؛ فمنهم الدعاة والقضاة والمربون والأدباء والمفكرون والصناعيون والاقتصاديون والمهندسون والإداريون) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
مع الله في كل حال:
إن الله هو الموفق سبحانه، ونيتك الأولى هي خدمة أمتك، والمساهمة في عمارة الأرض، فما أحوجك إلى رب العالمين، وما ندم من استخار، فعليك أن تستخير رب العالمين سبحانه وتدعوه دومًا أن يوفقك في التخصص المناسب ويهديك ويسدد خطاك، هداية المسافر على الطريق وتسديد السهم عند الرمي، فهو العليم سبحانه بالأصلح لعباده، وهو المدبر سبحانه الذي ندعوه أن يدبر لنا فإننا لا نحسن التدبير يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها) [رواه البخاري].
قال الإمام الشوكاني رحمه الله معلقًا على هذا الحديث: (هذا دليل على العموم، وأن المرء لا يحتقر أمرًا لصغره وعدم الاهتمام به فيترك الاستخارة فيه...) [نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، للشوكاني (3/72)].
الاستشارة:
(بل كان سيد النبيين صلى الله عليه وسلم وصاحب أرجح عقل وجد على ظهر الأرض عليه الصلاة والسلام، يستشير أصحابه رضي الله عنهم، في كل أحواله كما ورد في غزوة الخندق حيث سارع النبي صلى الله عليه وسلم بمجرد علمه بتجمع قبائل العرب في جيش قدره عشرة آلاف مقاتل إلى عقد مجلس استشاري أعلى، تناول فيه الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى اتفقوا على قرار قدمه الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه؛ حيث قال: كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا. فأسرع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تنفيذ هذه الخطة) [الرحيق المختوم، المباركفوري، ص (470)].
(فما بالنا بمن هو دونه صلى الله عليه وسلم في كل شيء من أمثالنا؟! فاحرص أيها المؤمن على استشارة من هم أكثر منك خبرة وأكبر منك سنًّا من إخوانك المؤمنين في دائرة معارفك المقربين، وتعرف على رأيهم في تحديد ميولك وإمكاناتك من خلال قربهم واحتكاكهم بك حتى تستطيع أن تحدد التخصص المناسب لك.
والاستشارة أخية الاستخارة؛ وقد قيل: (ما ندم من استخار، ولا خاب من استشار) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
حرفان (ل)، (ا):
لابد وأن تستخدم قدرتك على قول (لا)، في مواقف عدة، أبرزها عند تحديد تخصصك، فلا تقبل بأن يفرض عليك تخصص غير مقتنع به وغير مناسب لقدراتك وإمكاناتك، وذلك لسبب بسيط؛ لأنك لن تستطيع تحقيق إنجازات كبيرة فيه، فضلًا عن أنك غير راغب فيه، فمقدار الدافعية والحافز سيكون ضعيفًا لاشك.
إن كثيرًا منا تعود أن يحيا حياتته على غرار قصة الشاب (عادي)، فهل تعرفها؟
إنه شاب دخل إلى الثانوية، فذاكر مذاكرة عادية، فحصل على مجموع عادي، فقال له أهله: إن هذه الجامعة هي الأنسب لك ولابد أن تدخلها فنحن نرى مستقبلك فيها، فضغطوا عليه فدخل جامعة عادية، ثم تخرج منها، فقالوا له: هذه هي الوظيفة التي تنتظرك قد وفرناها لك، فعمل وفقًا لرغبتهم وظيفة عادية، ثم قالوا هذه هي الزوجة المناسبة لك ولابد أن تتزوجها فتزوج زوجة عادية... وهكذا مضت حياته بصورة عادية دون امتلاك القدرة على قول: (لا).
(وكثير من الطلبة على سبيل المثال عندما يحصل على مجموع عالٍ في الثانوية العامة؛ فإن أهله يرغمونه على دخول كلية بعينها بحجة أنها تتناسب مع ذلك المجموع، ولا يحسبون أي حساب لميول ابنهم وإمكاناته؛ وبالتالي يقتلون بذور التفوق فيه، ويمضي بالإنسان العمر ويتحول إلى شخص عادي جدًّا في ذلك التخصص الذي أجبر عليه، ولو ترك إلى التخصص الذي تميل إليه نفسه ويتوافق مع إمكاناته لأصبح من النابغين فيه) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع].
ويحكي لنا روجر ميلر الكاتب الإداري المشهور موقفًا مشابهًا لهذا فيقول: (منذ عدة سنوات قابلت شخصًا يدعى توم في إحدى حلقات الدرس التي عقدتها في الجامعة، وعندما طلبت منه أن يقدم نفسه ويتحدث عن أهدافه رد بأنه يدرس الهندسة المدنية، وفي أثناء الدرس طلبت منه أن يقول للحاضرين: ماذا سيفعل لو كان لديه شهر بدون التزامات وبموارد مالية غير محدودة؟
أضاء وجهه بالفرحة وأجاب بحماس سهل جدًّا: سأشتري منشارًا وألواحًا وبعض الأدوات الأخرى وسأضع كل ذلك في الجراج الخاص بي، ثم أجمع كل أطفال الحي وأشترك معهم في صنع الكثير من الأشياء؛ طاولات وبيوت صغيرة وأثاث، سيكون ذلك رائعًا.
عندما لاحظت عينيه اللامعتين تذكرت اللامبالاة التي ذكر بها دراسته الجامعية في الهندسة منذ لحظات.
سألته: هل تحب أن تدرس؟
رد ببساطة: أنا أحب التدريس.
ـ وهل تحب العمل بالأدوات؟
ـ بكل تأكيد.
ـ كيف تستمتع بتدريسك الهندسة؟
ـ لا أدري، هناك دخل طيب من تدريس الهندسة (قالها بصوت منخفض).
قلت له: اسمع يا توم، هل تعلم أن أولئك الذين يعلمون الأطفال كيف يبنون الأشياء باستخدام الأدوات يحصلون على دخل طيب؟
لقد كان مثيرًا أن ألاحظ ملامح وجهه، فمن الواضح أن قراره بدراسة الهندسة لم يكن ناتجًا عن اتصال بالذات من الداخل، أي دون اتصال بمواهبه وضميره وإحساسه بلا قدرة على العطاء، ولكن الآن عندما اتصل بذاته من الداخل حتى بشكل سريع، وعندما رأى الفرصة لتحقيق ما يميزه ويتفرد به هو أصبح مشحونًا بالطاقة، وقد يصبح توم مهندسًا عاديًّا ذات يوم، ولكن الواضح أن فرصته هائلة في أن يصبح معلمًا متميزًا في ورشة نجارة؛ لأنه يحب أعمال النجارة ويحب تعليمالصغار، وهنا سيعطي التأثير الأكبر) [إدارة الأولويات الأهم أولاً، ستيفن كوفي وزملاؤه، ص (160، 161)].
وفي الختام..
بين يديك مجموعة من الأسس التي تعينك على تحديد تخصصك بعدما وعيت مضمون رسالتك في الحياة..
فتأكد أنك نسيج وحدك..
وكن مع الله في كل حال...
وتذكر الحرفان (ل)، (ا)...
ولا تنس الاستشارة؛ فما ندم من استخار، وما خاب من استشار.
المصادر:
·  إدارة الأولويات الأهم أولاً، ستيفن كوفي وزملاؤه.
·  صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع.
·  الرحيق المختوم، المباركفوري.
·  إدارة الذات، أكرم رضا.
·  كيف تتعامل مع الناس؟ ديل كارنيجي.

JoomShaper