سحر يسري
رنا: صديقتي "أمل" أمرها يحيرني يا أمي!
الأم: كيف ذلك يا "رنا"، ما الذي يدعوك إلى الحيرة في أمر صديقتك؟
رنا: إنها كثيرة الكلام عن نفسها، شديدة الإعجاب بجمالها، تعتقد أنها أجمل بنت في الفصل، والأمر الذي يحزنني أنها لا تهتم هذا الاهتمام بدراستها، وواجباتها، ولقد قلت لها ناصحةً إن ما هي عليه هو الغرور وهو صفة ذميمة، ونبهتها إلى أن باقي صديقاتنا يتضايقن من إعجابها الشديد بنفسها، وكثرة حديثها عن شئونها، فردت عليّ قائلة: أنا لست مغرورة ولكنني أثق بنفسي، من فضلك يا أمي، هل أنا محقة في نصيحتي لها أم لا؟
ابنتي زهرة، كثيرًا ما يخلط الناس بين الغرور والثقة بالنفس، مع أن الغرور عيبٌ وصفة ذميمة يجب الاحتراز منها، بينما الثقة بالنفس ميزة عظيمة بل هي سر الإنجاز والتفوق في حياة الناجحين، ولنستعرض معًا كيف نفرق بينهما حتى تتجنب الفتاة صفة الغرور الذميمة، وتدعم ما لديها من الثقة بالنفس. لماذا تصاب كثير من الفتيات بالغرور؟
الفتاة اليافعة وهي بعدُ في مقتبل عمرها يكون كل شيء فيها جميلًا، فصورتها قد استدارت وبدت عليها علامات الأنوثة والجمال، وبين ثقافتها ودراستها تشعر الفتاة بتفتح عقلها أكثر وأكثر، ومع نضوج آرائها وتبلور شخصيتها، قد يتضخم إحساسها بما لديها من مميزات ومواهب، وقد يشمل ذلك عبادتها أيضًا وتفوقها الدراسي، وقد يزداد الأمر سوءًا إن لم تتربى الفتاة في أسرة تعتمد مباديء التربية الإيمانية كمنهج لها، حيث تحمي التربية الإيمانية الفتاة من الغرور، وتنمي فيها القدر الوافر من الثقة بالنفس مع التواضع لله تعالى.
أول صفات المغرورين الإعجاب بالنفس:
سُئل الدكتور أحمد زويل -الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء- عن أهم صفات العالم الحقيقي، وكيف يمكننا التمييز بين العالم والمُتعالم؟ فقال: "من يحدِّثك عن عظمته وقدرته وعلمه ونبوغه؛ فلا تستمع إليه؛ فإن العلماء الحقيقيين كلما ارتقوا في سُلّم العلم، وتكشَّفت لهم مساحات أخرى من الجهل، أدركوا كم هم صغار في ملكوت الله، وأنهم نقطة في بحر العلم والمعرفة"، ومن أبرز علامات الشخص المغرور أنه لا يربط إمكاناته بالله تعالى ولكنه يراها ذاتية كقارون في قوله الذي حكاه القرآن الكريم: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78].
ومن علاماته أيضًا:
ازدراء البسطاء وأصحاب النصيب القليل من المال أو الجمال أو الجاه، فمن تعريفات الغرور أنه: (إعجاب الإنسان بنفسه إعجابًا يصل إلى حدّ احتقار أو استصغار كل ما عند الآخرين وما يصدر عنهم، بجانب ما عنده ومايصدر عنه هو). [زينة المرأة حسن الخلق، د.أكرم رضا، ص(207)].
وقد يرجع الغرور إلى خلل نفسي:
إنّ من يفخرون بما لديهم، ويشمخون بأنوفهم عاليًا؛ مذكرين الآخرين بين الحين والآخر بما يملكون، وبما يدركون، وبما يعرفون؛ هم في الحقيقة يعانون من خلل ما في تكوينهم النفسي، وعدم ثقة بقدرتهم على الارتقاء الدائم، وفوق هذا، جهل بأهم الحقائق الكونية، وهي أن الله تعالى هو مصدر كل فضل وكل نعمة أو ميزة يحصّلها العبد، قال تعالى: { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] ولربما فضحهم الله تعالى أمام أنفسهم ذات يوم، من خلال تفوق شخصٍ بسيطٍ لا يلقون له - في الغالب - بالًا أو اهتمامًا!
قصة ذات مغزى:
وتأملي في هذه القصة الرمزية التي تبيِّن الهوة بين المغرور بمعرفته وتقديره، والبسيط الذي قد يطويه الزمن دون أن يشعر به أحد، برغم نباهته وذكائه:
(في أحد الأيام، دخل طفل صغير أحد محلات الحلاقة، وما إن رآه الحلاق حتى ابتسم في سخرية وهو يهمس للرجل الجالس بين يديه: هذا أغبى طفل ‏في العالم!، انتظر وأنا أثبت لك، ،ثم ذهب إلى الطفل الهادئ ووضع في إحدى يديه ورقة نقدية من فئة الجنيه، وفي اليد الأخرى ورقة بنصف جنيه، ثم قال للطفل، أيهما تختار يا صغيري! فاختار الطفل الورقة من فئة النصف جنيه ثم انصرف، ،هنا ابتسم الحلاق في سخرية، وقهقه سعيدًا بتلك التجربة المبهجة، وقال للرجل: ألم أقل لك إنه غبي، كل مرة يفعل نفس الشيء، ويختار الفئة الأقل، وعندما انتهى الرجل من إصلاح شعره وخرج، وجد الطفل الصغير خارجًا من محل الحلوى، بعدما اشترى بالنصف جنيه حلوى يشتهيها؛ فدفعه الفضول إلى سؤاله: لماذا لا يأخذ الجنيه بدلًا من الفئة الأقل؟! هنا نظر الطفل إلى عينيه مباشرة وقال: لأن اليوم الذي آخذ فيه الجنيه ستنتهي اللعبة!!
حقًا، إن التواضع رزق من الله، والكِبر والغرور استدراج، وما أكثر من وقعوا في فخ "الأنا"، وملئوا الدنيا بأحاديث عن أنفسهم، وفوق هذا سفّهوا من الآخر، واستهتروا به، الإمام الشافعي رحمه الله يحذرنا من أنه "من سما بنفسه فوق ما يساوي، ردّه الله تعالى إلى قيمته".بينما مَن يطويهم التواضع بين جناحيه هم العظماء حقًا.
جزاء المغرور من جنس عمله:
غالبًا ما يحدث للشخص المغرور مثل ما حدث للحلاق الأحمق، الذي يعتزّ بذكائه الموهوم، ويضحك على أخطاء الآخرين، مستهينًا بفهمهم، فهو لا يرى إلا نفسه ومواهبه المتضخمة فيعيش دهرًا في دنيا من الخيال؛ بينما الآخرين يضحكون منه، ويرونه في حجمه الحقيقي ضئيلًا مغرورًا.
الفرح بالطاعة والإنجاز لا يسمى غرورًا:
كما أن العُجْب والغرور يورث حبوط العمل، نجد أن الفرح بالطاعة من علامات الإيمان وأدلته، قال صلى الله عليه وسلم: (من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن) [صححه الألباني]، فالمؤمن يفرح بالحسنة، ويغتبط بالطاعة، لأنه إنما يفرح بتوفيق الله تعالى له في أدائها، وإعانته على القيام بها، قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
العلاج بتنمية شعور الاحتياج الدائم إلى الله تعالى لدى الفتاة المراهقة:
يرى المربون أن أهم وأخطر مرحلة يجب فيها غرس هذا الشعور هي فترة المراهقة، لأن الفتاة يسيطر عليها في هذه المرحلة عدة مشاعر قد تؤدي بها إلى الاغترار، مثل:
- شعور الفتاة بسرعة النمو وبالتالي الاستغناء عمن عداها، وأحيانا تشعر بتفوقها على صديقاتها خاصة في الشكل والجمال والتفوق الدراسي.
- الابتهاج بمباهج الدنيا والرغبة في الانطلاق وراء اشباع الرغبات.
وإزاء ذلك يكون على الوالدين أن يقوما بتوجيهها كالآتي:
- تذكير الفتاة دائمًا بنعم الله عليها وردّ كل النعم إلى الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53] وأنه إذا شاء نزعها من الجاحدين، وذلك يحميها من الاغترار والإعجاب بالنفس، ويدعوها إلى الإخبات والتواضع لله تعالى.
- توجيه عواطف الفتاة وعقلها إلى القوة الأعظم والقدرة الأقوى فيؤكدان لها أنها في حاجة دائمة إلى خالقها، يستحب تذكيرها بهذا الحديث: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) [رواه مسلم].
- تنبيه الفتاة إلى أنّ شخصيتها لن تستقيم وتتكامل بالجوانب المادية فقط، مثل جمال الصورة أو المال أو التفوق العلمي وحده، حتى تكمل في نفسها وتصل إلى التميز الحقيقي إلا عندما تكمل في نفسها جوانب أخرى نفسية واجتماعية ودينية، أما الاستغراق في الجانب المادي المحسوس وحده فيؤدي بها إلى شخصية ضعيفة هشة البنيان.
- تعليم الفتاة كيف تفرق بين الصفات الذميمة وما يقابلها من الصفات الحسنة، وذلك في نيتها وعملها أيضاَ، فإذا كان الغرور صفة ذميمة فسنجد في المقابل من الأهمية بمكان أن تتربى الفتاة على الثقة بالنفس وتعني: (أن تعرف الفتاة قدر نفسها، وتطمئن إلى قدراتها، وتدرك بوضوح أهدافها)، مما يكسبها القدرة على تكرار النجاح، على تجاوز الصعوبات والمواقف المحرجة، والحكمة في التعامل، وتوطين النفس على تقبل النتائج مهما كانت، فالثقة بالنفس تعتبر من العوامل الهامة التي تساعد على استقرار ورقي حياة الإنسان وتطورها للأفضل دائمًا. [دور الوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة، حنان الطوري، ص(218) بتصرف].
وأخيرًا، ابنتي زهرة
لا تغترّي بنفسك أو عملك، وكن قدريها، والتزمي جدار التواضع، مع ثقتك التامة فيما أعطاكِ الله تعالى من مواهب ومنحك من مميزات، وسخريها جميعًا للنجاح والتقدم، للتفوق والتميز كنموذج للفتاة المسلمة، وعندها ستأتيك الرفعة والعزّ والشرف من الله دون طلب منك.
ورحم الله القائل
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر         على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكنكالدخان يعلو بنفسه           إلى طبقات الجو ووهو وضيع
المصار:
-  دور الوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة، حنان عطية الطوري.
-  زينة المرأة حسن الخلق، د.أكرم رضا.
-  امرأة من طراز خاص، كريم الشاذلي.

JoomShaper