محمد السيد عبد الرازق
كثير منها ينجح في تحديد رسالته، وفي وضع رؤية لكل جانب من الجوانب المهمة في حياته، لكن ربما يتعثر ولا ينجح في وضع أهداف يسلم بعضهًا بعضهًا حتى يصل إلى ما يريد.
أعتقد أننا جميعًا في حاجة إلى التدريب على كيفية اختيار الهدف الفعال وما هي، وما هي خطوات تحديد الأهداف، أليس كذلك؟
يقول بيتر إيه: (الطريق لا تقطعه كاملًا في خطوة واحدة كبيرة، ولكن تقطعه في خطوات صغيرة كثيرة).
نبدأ بمثال:
إذا كانت رسالتك أن تعين أكبر قدر من الفقراء في العالم الإسلامي وتساعدهم في تحقيق حياة كريمة، فإن رؤيتي في الجانب التطوعي قد تكون إنشاء جمعية كبرى للرعاية الاجتماعية، والأهداف المرحلية التي توصلني إلى هذه الرؤية هي:
ممارسة العمل التطوعي واحترافه، وملامسة أحول الفقراء واحتياجاتهم.
الحصول على دبلوم في العمل التطوعي والرعاية الاجتماعية.
افتتاح الفرع الرئيسي لجمعيتك لجمعيتك.
وحتى نتمكن من وضع أهداف قابلة للتحقيق، فلابد أن نتعرف على أمر هام جدًا، ألا وهو صفات وخصائص الهدف الفعال.
إن الهدف الفعال يمتلك خمس صفات بإتقانهم يمكنك أن تضع بنفسك أهدافًا لفعالة في شتى جوانب حياتك، وهي كالتالي:
أولًا: المشروعية:
إن الإنسان الذي يسعد بحياته في هذا الكون، هو من جعل مركزيته هي (الله) عز وجل، وإذا ما تمكن الإنسان من فعل ذلك فإن شتى جوانب حياته ستضبط تلقيائيًا على هذا المركز، فتكون اهتماماته، عمله، أسرته، أهدافه... لله رب العالمين.
ومن ثم فلابد أن تكون أهدافنا متوافقة مع شرع الله تعالى، إن هذا التوافق يجلب لنا التوفيق من رب العالمين سبحانه، إذا أن توفيقه يكون لمن أطاعه، فما عنده لا ينال إلا بطاعته ورضاه سبحانه وتعالى.
إذا هذا التوافق (لا يتأتى إلا إذا عاش الإنسان في ظلال الإيمان وأنوار الوحي منطلقًا بجهده لعمارة الدنيا حتى ينال جزاء سعيه في الآخرة، أما القلب الذي لم يشرق عليه نور الرسالة المحمدية فهو قلب مظلم بَوار والعياذ بالله، ديدنه الفساد في الأرض وإن ظن أنه يحسن صنعا) [حتى لا تكون كلًا، د. عوض القرني، ص (18)].
(إن الذين لا يأبهون لشرعية الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها يحيون حياة مضطربة ممزقة تختلط فيها عوامل البناء بعوامل الهدم, الهدف غير المشروع قد يساعد على تحقيق بعض النمو في جانب من جوانب الحياة، لكنه يحط من التوازن العام للشخصية ويفجر في داخلها صراعات مبهمة وعنيفة) [سلسلة بصائر في العلم والثقافة، (10/62)، استخلصها من كتب أ.د. عبد الكريم بكار، الفريق العلمي بدار الإعلام].
ومهما كان سمو الرسالة فإنه لا يبرر عدم شرعية الهدف يقول صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ) [رواه مسلم].
ثانيًا: الوضوح:
من صفات الهدف الفعال، الوضوح... بأن يكون هدفك واضحًا جليًّا، يسهل شرحه وبيانه، (ومن وضوح الهدف أن يكون إيجابيًّا لا سلبيًّا؛ أي أن تحدد ما تريده بوضوح، إذ إن من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس عند سؤاله عن هدفه أنه يذكر لك ما لا يريده، أما ما يريده فهو غير واضح في ذهنه، أو لم يفكر فيه أصلًا.
ومن وضوح الهدف أن تتخيل أكبر قدر ممكن من تفاصيله كأنه منجز متحقق حاصل بين يديك) [حتى لا تكون كلًا، د. عوض القرني، ص (19)].
فلا تقل مثلًا هدفي في الجانب المهني أن أحصل على وظيفة مرموقة، فما هي هذه الوظيفة المرموقة؟ وكيف تعرف أن وظيفة معينة مرموقة أو غير ذلك؟ فبدلًا من ذلك يمكن أن تقول: هدفي أن أكون مديرًا لشركة في التصدير والاستيراد.
ثالثًا: القابلية للتقويم والقياس:
كثيرًا ما نضع أهدافًا، ثم لا ندري هل قد نجحنا في تحقيقها أم لا؟ وتختلف وجهات النظر من شخص إلى آخر، ويكون سبب ذلك في الأساس، أن الهدف غير قابل للقياس، فلا قيمة لهدف لا يمكن تقويمه أو قياسه.
إن وضعك للهدف في على هيئة أرقام أو في صورة كمية، سيمكنك من تحقيق الهدف والتقدم نحوه بقوة، ومعرفة مدى التقصير في تحقيقه؛ فاحرص على جعل هدفك قابل للتقويم والقياس.
رابعًا: القابلية للتحقيق
(وذلك بأن يتسم هدفك بالواقعية والطموح في آن واحد، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم، وذلك بأن يكون الهدف بعيدًا عن يدك ولكنه ليس بعيدًا عن عينك، فكثير من الناس يضع أهدافًا بعيدة المنال كل البعد، بحيث يغلب على الظن أنه من المستحيل تحقيقها.
فمثلًا في الجانب الصحي: إذا وضع الإنسان هدف: الوصول إلى الوزن المثالي بفقد ثلاثين كيلو جرامًا من وزني خلال شهر واحد.
فهذا الهدف ليس واقعيًا بالمرة؛ فهذا الوزن لم يكتسب خلال شهر واحد وبالتالي لن يتخلص الإنسان منه خلال شهر، فالتخسيس المستمر والفعال لا يكون إلا كنتيجة لتغيير أسلوب الحياة من حيث عادات التغذية وعادات النشاط، فمثل هذا الإنسان لابد أن يصاب بالفشل والإحباط عندما يجد أن الشهر قد انقضى ولم يحقق من هدفه شيئًا يذكر.
وفي مقابل ذلك تجد آخر يقول: هدفي في هذا الجانب فقد خمسة كيلو جرامات من وزني خلال خمسة أشهر، فهذا هدف متواضع جدًا لا يشتمل على أي قدر من التحدي، وبالتالي يضيع على الإنسان قدرًا كبيرًا من الإنجازات كان يمكن أن يحصله لو وضع له هدفًا أكثر طموحًا) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
يقول الدكتور أكرم رضا: (وكان أبي رجلًا تمرَّس الحياة، يريد لأبنائه التفوق وكان يقول لنا: إذا أردت أن تحصل على "جيد جدًّا" فلابد أن تفكر وتعمل للحصول على الامتياز، وإذا كان عملك وتفكيرك لتحصل على "جيد" فاحتمال نجاحك قد يكون بعيدًا) [إدارة الذات، د. أكرم رضا، ص (22)].
خامسًا: مراعاة الزمن
في علم إدارة المشاريع، هناك ما يسمى (بنقاط التوقف) وهي مراحل زمنية واضحة لقياس مدى التقدم والتأخر في الهدف، فعليك أن تضع لأهدافك نقاطء بدء وانتهاء واضحة، بأن تضع فترات زمنية محددة لتحقيق الأهداف، (فلابد لهدفك من إطار زمني؛ فبالوقت يمكنك أن تحقق أهدافك، بالضبط مثل السماء والنجوم تتحرك جميعها جنبًا إلى جنب) [أسرار قادة التميز، د. إبراهيم الفقي، ص (176)].
إن الأهداف التي ليس لها أوقات محددة لا يمكن أن تسمى أهدافًا، وإنما يمكن أن نطلق عليها أمنيات وأحلام، أما الأهداف فهي نقاط واضحة أمام أعيننا بتوقيتات زمنية واضحة، نبنى عليها حياتنا، ونستثمر من خلالها أعمارنا.
ولابد أن نراعي الواقعية عند وضع الأوقات اللازمة لتحقيق أهدافنا، فلا نضع أوقات زمنية ضيقة لتحقيق أهداف كبيرة مما يسبب لنا الشعور بالإحباط وخيبة الأمل، ولا نضع أزمنة وأوقات مديدة، تستنزف أعمارنا، بل ينبغي علينا أن نتوازن ونعطي على هدف قدره المناسب له من الوقت بما يضمن تحققه بصورة فعالة في وقت مناسب له.
وها هو أبو الوفاء علي بن عقيل يقول: (إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين) [المنتظم لابن الجوزي، (9/214)، نقلًا عن: (أين نحن من أخلاق السلف؟)، عبد العزيز الجليل، بهاء الدين عقيل، ص: (131)].
فلا عجب أن وجدنا من إنجازاته رحمه الله كتابًا لم تسمع الدنيا بمثله ألا وهو "كتاب الفنون" والذي يقع في ثمانمائة مجلد.
وفي الختام..
تذكر أخي الشاب، أن الله منحك عمرًا وأمد فيه بفضله، وحباك إمكانيات وقدرات، فدونك ميدان الحياة حدد رسالتك وارسم رؤيتك، ثم انطلق بقوة نحو تحقيق أهدافك، واعلم أن لكل مجتهد نصيب وعلى قدر علمك وعملك يبارك في عملك وتحقق أهدافك، ومن العلم أن تعلم جيدًا كيف تحدد أهدافك، ومن العمل أن تنطلق نحوها بقوة ونشاط، فأتقن الصفات الخماسية للهدف الفعال وابدأ في وضع أهدافك على بركة الله.
المصادر:
·      أين نحن من أخلاق السلف؟، عبد العزيز الجليل، بهاء الدين عقيل.
·      أسرار قادة التميز، د. إبراهيم الفقي.
·      إدارة الذات، د. أكرم رضا.
·      حتى لا تكون كلًا، د. عوض القرني.
· سلسلة بصائر في العلم والثقافة، (10/62)، استخلصها من كتب أ.د. عبد الكريم بكار، الفريق العلمي بدار الإعلام.


JoomShaper