محمد السيد عبد الرازق
هل لديك أهداف في هذه الحياة تريد تحقيقها؟
هل تبحث عن المعينات والوسائل التي تساعدك على بلوغ أهدافك؟
بالطبع ستكون معظم الإجابات: (بالتأكيد)، فأنا كشاب لدي أهداف كثيرة وأتمنى بلوغها، وأبحث دومًا عن أشياء تساعدني على بلوغ هذه الأهداف.
هذا هو حال الكثير من الشباب، ولاشك أن المعينات والوسائل التي تساعدنا في تحقيق أهدافنا كثيرة، وهي أكثر من أن نحصيها، ولكن تظل أهم هذه المعينات وأول هذه الوسائل، هي تلك المعينات الإيمانية، والمنشطات القلبية والروحية، التي تصل الأرض بالسماء ويحل بها التوفيق والسداد، وما أن تكتمل المنظومة ببذل الجهد والأسباب؛ حتى تأتي الفتوحات والانتصارات، ونبلغ ـ بإذن الله ـ آمالنا فيما يرضي الله عز وجل.
إن بين أيدينا ثلاثة من أهم هذه المعينات الإيمانية، التي تعيننا بإذن الله على بلوغ أهدافنا، تلك المعينات التي تبعث فيمن يطلها بصدق، الراحة والسكينة، إلى جانب التوفيق والسداد.
(1)                        المعين الأول: قرع لأبواب السماء
كثيرًا ما نطلب ونزيد في الطلب، ويكون هذا الطلب موجه لبني الإنسان، فتوقف! لتراجع قناعاتك وأفكارك... إن هذا الإنسان الذي تطلب منه وترجوه كي يعينك على بلوغ آمالك، أمره بيد من؟ ومن يهديه إلى إنجاز مطالبك؟ أليس الله؟ والله كاف عبده.
فعليك أن تلتجأ أولًا إلى الملك، من عنده خزائن السماوات والأرض، من بحر جوده لا ينفد سبحانه وتعالى.
ذات يوم (يجمع السلطان نور الدين محمود الأموال لشراء الأسلحة والعتاد استعدادًا لمعركة فاصلة مع الصليبيين، فيعجزه المال، فيستشير من حوله فينصحونه بأن يأخذ من الأموال التي أوقفها للإنفاق على طلبة العلم والعلماء، فيرد رحمه الله قائلاً: والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك .. كيف أقطع أرزاق قوم يقاتلون عني وأنا نائم بسهام لا تخطئ، وأصرفها إلى قوم لا يقاتلون عني إلا إذا رأوني بسهام قد تخطئ وقد تصيب؟!).
علمنا نور الدين رحمه بهذه الكلمات، الدور الخطير الذي يلعبه الدعاء في تحقيق أهدافنا، فتأكد ثم تأكد أن دعاءك هو سهامك التي لا تخطئ فتصيب كبد أهدافك، فأطلق سهامك الثمينة؛ لتحقيق أهدافك العظيمة.
(وهو ذات المشهد يضربه الخليفة العباسي القائم بأمر الله بن القادر في التضرع إلى الله تعالى عندما تغلب عليه المفتتن الفاطمي المسمى بالبساسيري، فكتب كتابًا قام بتعليقه على جدران الكعبة جاء فيه: (إلى الله العظيم من المسكين عبده ... اللهم إنك العالم بالسرائر المطلع على الضمائر ... اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على أخلاقي عن إعلامي ... هذا " أي البساسيري" عبد قد كفر نعمتك وما شكرها ... وألغى العواقب وما ذكرها ... وأطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيًا ... وأساء إلينا عتوًّا وغدرًا ... اللهم قَلَّ الناصر واعتز الظالم ... وأنت المطلع العالم المنصف الحاكم ... بك نعتز عليه وقد حاكمناه إليك ... وتوكلنا في إنصافنا منه عليك ... ورفعنا ظلامتنا هذه ووثقنا في كشفها بكرمك ... فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين).
وقد قتل البساسيري بعد تعليق الرسالة بقليل.
ومن قبلهم رسمها النبي صلى الله عليه وسلم معلمًا واضحًا في طريق الله تعالى، والمشهد يرسم نفسه في غزوة بدر وهو يدعو ربه ويبتهل وتنهمر دموعه، وأبو بكر يرفأ به ينادي: (بعض مناشدتك ربك يا رسول الله، إن الله منجز لك ما وعدك)، والمصطفى يرفع الأكف مبتهلاً: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض أبدًا) [رواه مسلم]) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
هيا يا شباب ها هي أبواب السماء مفتحة لكم الأبواب، ما عليكم إلا أن تدمنوا الطرق، فالله سبحانه مجيب، لكن تذكروا:
نحن في حاجة إلى دعاء صادق، وفي حاجة لأن نلح في الدعاء... نحن في حاجة لطرق أبواب السماء.
نحن في حاجة إلى أن نتذكر أن البشر لا يملكون ضرًا ولا نفعًا وإنما الله عز وجل يجري الأمور على أيديهم.
(2)                        المعين الثاني: توكل على الحي الذي لا يموت:
العبد في (توكله على الله وصلته به يجب أن تكون كحالة الطفل مع أمه، لا يعرف غيرها، ولا يتعلق إلّا بها، ولا يفزع إلّا إليها، ولا يعتمد إلّا عليها، وإذا نابه شيء لم يهتف إلّا باسمها، ولكن هذه الحالة لا تعني ترك الأسباب وإنما تعني عدم التعلق بها والركون إليها؛ لأن التعلق يكون بمسبِّب الأسباب الله ـ جل جلاله ـ القوي العزيز) [أصول الدعوة].
وها هو النداء الرقيق الشفاف: (كنزي عجزي)، الذي أطلقه الإمام بديع الزمان النورسي رحمه الله، فنشر الله أنوار رسالته في تركيا وتهافتت القلوب على دعوته.
وها هو ذات النداء الرقيق الشفاف، يرتسم (لكل من رأى لحياته قيمة، فتلمس معالم رسالتها ورسم حدود رؤيتها وخطط للوصول إلى رفعتها، ومن ثم أسندها إلى ركنها الشديد، وألجأها إلى من إذا سئل أعطى، وإذا دعي أجاب، وإذا نودي لبى.
وتأمل معي هذا المشهد للمجاهد الناصر صلاح الدين رحمه الله لتعرف كيف تصاغ منظومة التوكل مع الرسالة والرؤية والأهداف:
(بعد أن فتح صلاح الدين بيت المقدس واستردها من أيدي الصليبيين وحقق رؤيته، جاءت الحملة الصليبية الثالثة تزحف حتى وصلت إلى أعتاب بيت المقدس، وضربت الحصار على بيت المقدس، وصلاح الدين قد بذل كل ما بوسعه من أسباب للدفاع عن النفس والأرض والعرض، وعبأ جيشه، واجتمع بقادته وبالأمراء لحضهم على الجهاد، وقد ضاق صدره لعدم اتفاق الأمراء معه، وتقسم فكره واشتدت كربته، فبات ليلته تلك حزينًا مهمومًا قلقًا على بيت المقدس.
وكانت ليلة الجمعة ولم ينم حتى طلوع الصبح، وعند الصلاة جاءه وزيره ابن شداد، ولندعه يروي لنا ما كان بينه وبين المجاهد الناصر رحمه الله.
قال: دخلت عليه فرأيته في كربه، فقلت له: قد وقع لي أمر، أعرضه عليك؟
قال صلاح الدين: وما هو؟
قال: من كثر اهتمامه بما قد حمل على نفسه وقد عجزت أسبابه الأرضية عن حمله ينبغي له أن يرجع إلى الله، وهذا يوم الجمعة وهو أبر أيام الأسبوع، فيه دعوة مستجابة، ونحن في أبر موضع، فالسلطان يغتسل ويتصدق بصدقة خفية بحيث لا يشعر أحد أنها منه، ويصلي بين الأذان والإقامة ركعتين يناجي فيهما ربه، ويفوض مقاليد الأمور إليه، ويعترف بالعجز عما تصرف له.
وتقول في باطنك: (إلهي قد انقطعت الأسباب الأرضية في نصرة دينك، ولم يبق إلا الإخلاد إليك والاعتصام بحبلك، والاعتماد على فضلك، أنت حسبي ونعم الوكيل)، فإن الله أكرم من أن يخيب قصدك.
ويتابع ابن شداد قائلاً: ففعل ذلك كله، وصليت إلى جنبه، وصلى الركعتين بين الأذان والإقامة، ورأيته ساجدًا ودموعه تتقاطر على شبيبته، ثم على سجادته، ولا أسمع ما يقول رحمه الله، فلم ينقض ذلك اليوم حتى وصلت الأخبار أن الخلاف قد دب في معسكر الصليبيين، وأنهم قد قرروا الرحيل عن حصار القدس) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
وليس معنى ذلك أن نترك الأسباب، بل من تمام التوكل على الله أن يأخذ العبد بالأسباب ثم يتوكل على مسبب الأسباب سبحانه، لكنه يعلم علم اليقين أن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نبذل قصارى جهدنا في تحصيل الأسباب ثم ندعو الله عز وجل: (ولذلك لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم فتح مكة وضع العساكر والحرس على أنقاب المدينة لئلا يتسرب الخبر إلى مكة، وبذل جميع الأسباب المادية الممكنة، ثم توجه إلى الله تعالى بالدعاء أن يعمي الأخبار عن قريش، ولما قال له ربيعة بن كعب: أسألك مرافقتك في الجنة. قال له عليه الصلاة والسلام: (أعني بكثرة السجود) [رواه مسلم].
ومما يذكر عن عمر رضي الله عنه أنه رأى إبلاً جرباء فسألهم: ماذا تصنعون لعلاج هذه الإبل؟ قالوا: عندنا عجوز صالحة نذهب إليها فتدعو لها. فقال رضي الله عنه: اجعلوا مع دعاء العجوز شيئًا من القطران) [قضايا في المنهج، الشيخ سلمان بن فهد العودة، ص (58)].
(3) المعين الثالث: اجتناب الذنوب والمعاصي:
(للذنوب والمعاصي تضر، ولا بد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟) [الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ابن القيم]،فالمعاصي سبب الحرمان وضعف إرادة الخير والعزيم، وهي وهن وضعف ومحق بركة.
ومن ثم فإن (تجنُّب الذنوب والمعاصي من أعظم المعينات على تحقيق الأهداف؛ إذ إنها تؤدي إلى انعكاسات سلبية في ميدان العمل، فهي تمحق بركة العمل وتفشل ريحه، وقد تنبه إلى هذا وكيع بن الجراح رحمه الله عندما شكا إليه الشافعي ـ وكان تلميذه ـ ضعف الحفظ وبطء التعلم، فأجابه بأن المعاصي مصدر من مصادر ضعف التحصيل وتردي الحفظ، وقد دون الشافعي ذلك الجواب بقوله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].
وهذا هو المعين الإيماني الثالث على تحقيق أهدافك ونيل أمانيك، فالأمر كله بيد الله وتوفيقه، وما عند الله لا ينال إلا بطاعته ورضاه، وحينما يترك الشاب الذنوب والمعاصي تصفو له الحياة، ويصفو عقله، ويبدأ مشاوره في طريق النجاح والفلاح، فصفاء الذهن بريد النجاح، وصفاء القلب سبب التوفيق والتسديد، فابدأ خطواتك نحو قطع العلائق بالذنوب والمعاصي، فإن زللت فالرجوع والأوبة وإعلان التوبة.
فهيا أيها الشاب الهام، لم يعد بينك وبين تحصيل المعينات الثلاثة سوى إبرام العقد بينك وبين نفسك والسير قدمًا في اكتسابها.. دعاء صادقًا.. وعجزًا وتوكلًا.. واجتنابًا للحرام ينير الروح ويستجلب التوفيق.
المصادر:
· صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري .
· الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، ابن القيم.
· صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري.
· قضايا في المنهج، الشيخ سلمان بن فهد العودة.

JoomShaper