محمد السيد عبد الرازق
نبدأ سويًا في هذه السلسلة رحلة جديدة، لكنها مختلفة، رحل هدفها الوصول إلى جنات العفاف الوارفة الظلال، فكم من مشتاق إلى جناتها لكنه ضل الطريق وكم من ملهوف إلى راحتها وهنائها لكن الكثير أقنعوه باستحالة الوصول...
في هذه الرحلة نسلك طرقًا جميلة بديعة، ونطوف حول معان طيبة نظيفة، نغترف من كنوز العفاف والطهر وننهل من أنهار السعادة والراحة والطمأنينة.
شرط بشرط
لكن قبل أن نبدأ رحلتنا، نسأل: هل يمكن للإنسان أن يتنقل في رحلة رائعة جميلة دون أن يبذل من جهده وطاقته؟ بالطبع لا، فهكذا رحلة العفاف رحلة ماتعة جميلة طاهرة نظيفة لكنها تحتاج إلى جهد وصبر.

وإذا كانت رحلة العفاف تحتاج منك إلى صبر وجهد وتعب ونصب، فإن هناك من الأسباب الكثيرة المنطقية التي تدعوك إلى تحمل عناء المسير، وقبول مشقة السفر بنفس راضية مطمئنة، يحدوها شوقها إلى المعالي، فهي حقيقة دامغة أثبتها لك الإمام ابن القيم رحمه الله حين قال وهو يسلمك مفتاح دار السعادة: (المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تُنال إلا بحظ من المشقة، ولا يعبر إليها إلا على جسـر من التعب.

وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وإن من آثر الراحة فاتته الراحة، وإنه بحسب ركوب الأهوال وإحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له.

بل إذا تعب العبد قليلًا استراح طويلًا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان ولا قوة إلا بالله، وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلى كان تعب البدن أوفر، وحظه من الراحة أقل، كما قال المتنبي:

وإذا كانت النفوس كبارًا   تعبت في مرادها الأجسام) [مفتاح دار السعادة، ابن القيم، (2/15)].

بشريات العفة

ولنبدأ حديثنا عن رحلة العفاف بسوق تلك البشريات العظيمة التي يحوزها من واصل السير في دروب العفاف المنيرة، ومن هذه البشريات:

لنهديهم سبلنا:

يا من جاهدت نفسك لسوقها إلى الله متقيًا أشواك الشهوات، حتى تتوج بوعد الرب الكريم الذي لا يخلف الميعاد ــ أن يهديك إلى طريق الحق والصواب: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: ٦٩].

(أي الذين جاهدوا نفوسهم لأجلنا وطلبًا لنا؛ لنهدينهم سبل المعرفة بنا والوصول إلينا، ومن عرف الله تعالى عرف كل شيء، ومن وصل إليه هان عنده كل شيء) [روح المعاني، الألوسي، (15/320)].

نعم والله من وصل إلي ربه هان عليه كل شيء، هان عليه بريق الشهوات الزائفة، وتقزم في عينه حجم الملذات المغرية، إذ ما تساوي أمثال الجبال من لذات الدنيا بأسرها لقاء لحظة أنس واحدة مع الكريم المنعم الودود.

واسمع إلى ابن عباس رضي الله عنهما يُفصِّل لك البشـرى فيقول: (جاهدوا أهواءهم في طاعة الله وشكر آلائه والصبر على بلائه؛ لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير) [تفسير البحر المحيط، أبو حيان محمد بن يوسف، (9/68)].

فهنيئًا لك أيها الحبيب، برفقة هذه الثلة المباركة (الذين جاهدوا في الله ليصلوا إليه ويتصلوا به، الذين احتملوا في الطريق إليه ما احتملوا، فلم ينكصوا ولم ييأسوا، الذين صبروا على فتنة النفس وعلى فتنة الناس، الذين حملوا أعباءهم وساروا في ذلك الطريق الطويل الشاق الغريب.

أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع إيمانهم، ولن ينسى جهادهم، إنه سينظر إليهم من عليائه فيرضيهم، وسينظر إلى جهادهم إليه فيهديهم، وسينظر إلى محاولتهم الوصول فيأخذ بأيديهم، وسينظر إلى صبرهم وإحسانهم فيجازيهم خير الجزاء) [في ظلال القرآن، سيد قطب، (5/2752)].

سعادة القلب وراحة البال:

يخطئ كثير من الشباب حينما يظنون السعادة في نيل حظ النفس من  الشهوات؛ فإنه مهما انتهب الإنسان من الشهوات واللذات، ومهما أُوتي من زينة الحياة الدنيا، فإنه لا يستطيع أن يحوز السعادة طالما كان معرضًا عن طريق الله تعالى؛ ذلك لأن (في القلب شعث لا يَلُمُّه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأُنس به في خلوته، وفيه حزن لا يُذهبه إلا السـرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق لا يُسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه.

وفيه نيران حسـرات لا يُطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد لا يقف دون أن يكون وحده مطلوبه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له، ولو أعطي الدنيا وما فيها لم تُسد تلك الفاقة منه أبدًا) [مدارج السالكين، ابن القيم، ص(743)، بتصرف].

وأما من أسرف على نفسه، ووقع في براثن الشهوات طلبًا لتلك السعادة الوهمية؛ فذاك الذي توعده ربه جلا وعلا بقوله: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى} [طه: ١٢٤].

ولله در ابن القيم رحمه الله حين قال: (متى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه، وسامه سوء العذاب، وصار كعصفور في كف طفل يسومها حياض الردى، والطفل يلهو ويلعب) [روضة المحبين، ابن القيم، ص(103)].

وكم من شاب قد أثقل ذنبه كاهله، وعاين انهزامه أمام شهوته؛ فصار ينظر لنفسه نظرة دونية أحالت حياته إلى جحيم لا يطاق؛ من لوم النفس وتوبيخها، والشعور بالضيق والهم والغم، وها هو أحدهم يصف لك معاناته فيقول:

(وهذا الشـيء [يقصد ممارسته للعادة السرية] يقلقني كثيرًا في حياتي، عندما أعلن عدم الرجوع إليها، وأنصح من حولي من الشباب بعدم فعلها لقبحها، وأغيب عنها لعدة أيام معدودات، ثم أرجع مرة ثانية لها، وبعد الانتهاء أحس بالضيق الشديد، والهم والغم، ثم أشعر بالندم الشديد، ويصل إلى درجة البكاء خوفًا من عقاب الله) [منتقاة من الاستشارات الشبابية في موقع www.maganin.com].

قد يغرق المرء في لذَّاته ويرى               دنياه نشوى ويأتي عيشُه رغدا

حتى إذا ما تمادى في غوايته        تبدَّلت حاله بعد الرضى نكدا

مهما غفا الناس إعراضًا فلن يجدوا   من دون ربهم الرحمن ملتحدا

صفاء الفكر بريد النجاح

فمن رزقه الله العفة فقد أنعم عليه براحة البال، وسلامة الفكر والعقل، وقوة التركيز في شئونه كلها؛ فلا تراه حائرًا تائهًا يبحث عما يسد رمق شهواته، ولا تخاله خائفًا مرتبكًا يخاف ألا يهتك الله ستره أو يفضحه بين الناس، ومن ثَم؛ تجده دائمًا منتبهًا يقظًا في أمور دينه وأمور دنياه.

فشتان بين هذا وبين من يشغل فكره على الدوام إشباع شهوته وإرضاء نفسه الأمارة بالسوء، فإذا ذهب إلى مدرسته أو إلى كليته لا يفكر إلا فيما يراه من فتيات كاسيات عاريات، وإذا خلا بنفسه بارز الله بالمعاصي والزلات، فأنَّى لمثل هذا من راحة بال أو هناءة عيش، أو تركيز أو قوة فهم، أو مقدرة على التحصيل أو سلامة في التفكير.

أمثل هذا يقارن بمن شغل نفسه بما ينفعها من أمور الدنيا أو الآخرة؟ كلا والله، لا يستويان أبدًا؛ فالأول تائه حائر لا يثبت على حال ينساق وراء شهوته كالذليل، فتراه منحدرًا من فشل إلى فشل، ومن سقوط إلى سقوط، أما الثاني، فلا يصـرف فكره أو طاقته إلا فيما ينفع أو يفيد؛ فتراه دائمًا في ارتقاء من نجاح إلى نجاح، ومن تفوق إلى تفوق.

ألا تسمع أنين الإسلام؟

وبعد هذه الثمرات الندية ـ أخي طالب العفة والحياء ـ تبقى همسة منا في أذن قلبك، تهزه ليفيق ويدري ما يحاك ضده من مكائد ودسائس.

قد هيئوك لأمر لو فطنت له            فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل

ألا تدري أيها الحبيب أن أعداء دينك وأمتك يريدونك عبدًا لشهواتك وملذاتك؟!

ألا تدرك أنهم يريدونك غارقًا في بحر هواك، شاربًا لكأس الخطايا حتى الثمالة؟!

ألم تسمع بإخوانك في بقاع الأرض يصرخون تحت وطأة الذل والمهانة؟!

ألم ترى طفلًا يبكي حرقة على والده الذي مات بين يديه، بلا ذنب سوى أنه مسلم؟!

ألا تعي أنهم يضـربون على سمعك خشية أن تتناهى إليه أنات الثكالى من المسلمات العفيفات، وصراخهن كل دقيقة "وا إسلاماه"؛ فتثور حمية الإسلام في قلبك وتحطم قيود الذنوب والشهوات...

إنهم يضربون على أذنك بالحرام كي لا تسمع هذه الأنات...

ويغطون على عينك بالحرام كي لا ترى هذه المشاهد الدامية...

ويشغلون عقلك وقلبك بالحرام كي لا تفكر إلا في شهواتك وتنشغل عن قضايا أمتك...

أما آن الأوان أيها الحبيب، أن تنفض عنك هذا الوهن وذاك الانشغال بالدنايا...

أما حانت لحظة الحسم التي تتردد فيها منذ سنين...

أما اقتربت ساعة النصـر التي تهزم فيها جند الشيطان وأعوانه، لتلتحق بركب الفائزين من عباد الله، فرسان العفة والحياء؛ فتصير نجمًا في سماء العفة، وعلمًا في طريق الحياء يشار إليك... وللحديث بقية.

المصادر:

مفتاح دار السعادة  الإمام ابن القيم.

روض المحبين     الإمام ابن القيم.

في ظلال القرآن    سيد قطب.

روح المعاني       الألوسي.

على خطى يوسف الصديق  محمد السيد عبد الرازق.


JoomShaper