محمد السيد عبد الرازق
إن رحلة العفاف التي بدأناها سويًا ما زالت مستمرة، وكلما قطعنا فيها شوطًا كلما تلمسنا متعتها ولذتها ووجدت النفوس راحتها وسكينتها، وقد عرضنا في المقال السابق لبشريات العفة:
لنهديهم سبلنا.
سعادة القلب وراحة البال.
صفاء الفكر بريد النجاح.
وفي هذا المقال نكمل المشوار بالإشارة إلى تصورات خاطئة عن الشهوة، قد ارتسمت في أذهان الشباب، وهي في حاجة إلى تصحيح وبيان.
فمما زاد الأمر سوءًا ما ترسخ في عقولنا من مفاهيم مجتمعية خاطئة عن الشهوة، استمدها الآباء والأجداد من قيم وأعراف لم تخرج من مشكاة النبوة ولا رحم الشـريعة الغراء؛ فصادمت الفطرة وأدت إلى مزيد من القلق والتخبط في حياة الشباب، مما ضاعف من حجم المشكلة، وساهم في تجذرها أكثر وأكثر في واقع شبابنا الذي تحيط به الفتن من كل جانب.
ومن هذه التصورات:
1.  الشهوة والعيب:
تمثل كلمة [العيب] المفردة الأكثر التصاقًا بشهوة النساء في خيال الشاب، وخاصة في مرحلة المراهقة وبداية البلوغ؛ فهذا الأمر ممنوع الحديث عنه مع أحد، وممنوع التفكير فيه بشكل علني، حتى لو أخذ هذا التفكير شكل الأسئلة البريئة أو الفضولية التي تبحث عن جواب.
ولعل هذا التصور هو ما يجعل الشاب يتعامل مع شهوة النساء؛ إما باعتبارها تجاوزًا يجب أن يُمارَس خارج إطار الالتزام بالشـرع، أو باعتبارها حالة من الابتذال ينبغي لكل شخص مهذب ألا ينزلق لممارستها.
وهذا الأمر يُعَمِّق داخل نفسية الشاب ـ وخاصة المتدين ـ الشعور بالنفاق والتأنيب الشديد للضمير عندما تثور شهوته أو يفكر في شهوة النساء؛ فالشهوة من وجهة نظره أمر معيب محرج لا ينبغي لمثله أن يشعر به أو حتى أن يفكر فيه، والمسكين لا يدري أنه من الطبيعي لأي شاب أن تأتي عليه أحيان يفكر في إشباع شهوته كأي إنسان طبيعي، له احتياجاته ورغباته التي لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، لكن الشأن في الاستجابة الصحيحة لنوازع الشهوة الطبيعية التي تثور في نفس كل شاب.
كما أن هذه الفكرة الخاطئة من ناحية أخرى تعطي لبعض الشباب نوعًا من التحدي، والرغبة في الحصول على هذا الممنوع، فكل ممنوع مرغوب وخاصة في مرحلة المراهقة، التي تتميز بالقوة والعنفوان وحب التحدي؛ فيتحول الموضوع عن مساره الطبيعي الفطري إلى المسار الخاطئ، وهو استحواذ هذا الفكر على الشاب؛ فيصبح شغله الشاغل، ويسعى بكل الطرق أن يشبع هذه الرغبة، بغض النظر عن صحة ما يقوم به من أجل إشباعها، أو موافقته للشـرع ولمكارم الأخلاق [مستفاد من بحث للدكتور زهير حسن خشيم].
2.      خليك راجل:
وهذه الكلمة من أكثر الكلمات انتشارًا في مرحلة الشباب والمراهقة على وجه التحديد، (خليك راجل) إذ ترتبط شهوة النساء عند كثير من المراهقين بمفهوم الرجولة، وهنا نجد الكثير من أصدقاء السوء يزينون لأصدقائهم (العادة السرية) على اعتبار أنها المعبرة عن الرجولة، وكذلك مشاهدة الأفلام الجنسية، ويضاف إلى ذلك التفاخر بحجم الفتيات المصاحبات للشاب واعتباره مقياس على الرجولة والشباب، حتى يصل الأمر ـ عياذًا بالله ـ إلى التباهي بعدد المرات التي تجرأ فيها على محارم الله.
ولا يخفى على كل ذي عقل أن الرجولة من كل فات (براء)؛ فالرجولة لا تقاس بمقدار استجابتك لنفسك في إشباع شهواتك، فتكون كالحيوان البهيم الذي لا يحول بينه وبين إتيان الشهوة سوى الرغبة فيها، ولكن تقاس بمقدار تحكمك في شهواتك والسيطرة عليها، كما هو مذهب الشاعر المتقن الذي يقول:
ليس الشجاع الذي يحمي مطيته         يوم النزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتىً غض طرفاً أو ثنى بصراً    عن الحرام فذاك الفارس البطل
قصة لطيفة
(دخلنا الكثير من البيوت التي ترعى القطط الأليفة وتربيها، فرأيناها تختفي بمجرد رؤيتنا وتستحي من مقابلتنا، وإذا ظهرت لنا ظهرت معها الوداعة والرقة والألفة كلها، ودخلنا بيوتًا أخرى فوجدنا فيها نوعية أخرى من القطط بمجرد أن نمد أيدينا لمداعبتها نفاجأ بعودة أيدينا مخدوشة أو مجروحة، ونحن لم نمدها إلا للأُلفة والمداعبة! فما الفارق إذًا، فهذه قطط وتلك قطط؟!
فإذا سألت أهل كل بيت عن سياستهم في التعامل مع هذا الحيوان؛ فتأتيك الإجابة أعجب من العجب! فمع النموذج الثاني يقول أصحاب القطط: إننا نقدم لها الطعام الكثير، ومهما طلبت منه فإننا نعطيها منه المزيد، بلا ضابط أو حساب ... الخ.
وعلى الجانب الآخر ترى في البيت الأول تعاملًا رشيدًا، فيطعمها أهلها بتوازن واعتدال، حتى إذا أرادت القطة ما يضرها لم يعطوها إياه، وهكذا شهوتك) [على خطى يوسف الصديق، محمد السيد عبد الرازق].
فالمشكلة في تعاملنا مع الشهوة مع تلك الطاقة المتفجرة بداخلنا وفي كيفية توجيهها، فنحن من نسيء التعامل معها فنجعلها كالوحش الذي لا يقف أمامه شيء، أو نحسن التعامل معها فتكون أمرًا عاديًّا، تتعامل معه كما تتعامل مع إحساسك بالجوع أو العطش، أو غيرها من الأمور الفطرية التي جبلنا عليها.
(إن  شهوتك تبني فلا تجعلها تدمر، خلقها الله لتبني وتُقيم لا لتدمر وتهدم وتفسد، شهوتك ليست شرًّا ولا غُولًا ولا وحشًا، إذا هاج حطم كل الحواجز والحدود، بل هو طاقة أودعها الله في جسدك لتُصـرَف في مصارفها؛ فتستقيم الحياة وتتزن.
فافهم هذه الحقيقة جيدًا، وعدِّل ما كان معوجًّا من مفاهيم أو تصورات عن الشهوة، مما رسخ في ذهنك قديمًا؛ لتخفف عن نفسك كثيرًا من الضغوط والأعباء، التي أثقلت كاهلك وناء بحملها جسدك، لتعاود الانطلاق بعدها في طريق المعالي، حرًّا طليقًا عفيفًا أبيًّا كما أرادك ربك وخالقك عز وجل) [على خطى يوسف الصديق، محمد السيد عبد الرازق].
ويبقى السؤال: لماذا؟
وبعد توضيحنا لأهم المفاهيم المغلوطة التي تتعلق بالشهوة، يبقى السؤال: لماذا؟ لماذا تحولت الشهوة في حياة الكثير من الشباب والمراهقين على وجه الخصوص إلى وحش يدمر كل ما أمامه ويهتك ستائر العفة؟ لماذا أصبح الكثير أسرى لنداء الشهوة ريثما ينادي يلبى النداء، إن الإجابة نجملها في أربعة نقاط هم أكبر أعداء العفة والطهر، ألا وهما:
1. صرح الإيمان المتهاوي:
إن النفس التي لا تتحصن بالإيمان ضعيفة أمام نداءات المعصية، فالإيمان بالله عز وجل هو الضمانة والوقاية من المعصية، وهو الصخرة التي تتحطم عليها شهوات النفس الجامحة؛ و كلما ضعف إيمان العبد كان أكثر جرأة على محارم الله عز وجل، وقد قال عز من قائل سبحانه: { فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٣٧-٤1]، فتأمل كيف جعل الله تعالى عمران القلب بالخوف منه، مقدمة لنهي النفس عن الهوى.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد لا يقع في الذنب إلا حين يُؤتى من ضعف إيمانه؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) [متفق عليه].
والصـراع بين الشهوات والإيمان على القلب صراع مرير منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، والمنتصر فيه هو المتحكم في ملك الجسد ألا وهو القلب.
فإما أن تكون الغلبة للإيمان فيحلق الشاب في سماء العفة، أو تكون الغلبة للشهوات فينحدر في حضيض الغفلة؛ فالشهوة لا تملأ القلب ومن ثَم لا تؤثر على الجوارح، إلا إذا ضعف الإيمان في القلب؛ فتضعف سيطرة القلب على النفس فتطغى، وتسعى لإشباع رغباتها ونزواتها، وتُسخِّر الجوارح لخدمتها.
فينطلق ذلك المسكين كالمسعور يبحث عن أي شيء يطعم به شهوته الجائعة، فيقع المحذور وتنتهك الحرمات وتضيع العفة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه]، وأنَّى لقلب لا يعمره الإيمان ولا يملأ جنباته أن يكون صالحًا؟!
فاصدقني القول أخي الحبيب، هل تشعر بهذا الطغيان حين تزداد من الرحمن قربًا وتزداد عن الشيطان بعدًا؟ هل تحس بهذا الألم وهذا الضيق من نفسك ومن شهواتك حين تستقيم جوارحك على طاعة الله، حينما تكون موصولًا بربك، مؤديًا لما أمرك من فرائض، ومبتعدًا عما نهاك من نواهي، و مجتنبًا لمعاصيه، ومتوددًا إليه بصنوف الطاعات، هل تجد من قلبك هنة، أو من عينك لفتة، أو من عقلك فكرة، تدفعك إلى الحرام حينما تحس بالإيمان يعمر قلبك؟
فالعفة والإيمان إذًا متلازمان، فإن ضعف الإيمان ضاعت العفة، وإن قوي الإيمان فحصن العفة مصون، لا يقوى أعداؤه على الاقتراب منه.
2. أصدقاء السوء:
قال أحد البائسين ممن أغراهم شياطين الإنس، وكانوا سببًا في هتك ستار عفته: (أول مرة شاهدت فيها هذه الأفلام كان منذ سنين، حين كنت في زيارة لأحد أصدقائي، وكان في غرفته فيلم إباحي، فقام بتشغيله) [جريدة الأنباء الكويتية].
وكما قال الشاعر:
وكم من صديق تحسب الخيرقصده     فتبدو على مر الليالي مهازله
وقد قال صلى الله عليه وسلم مبينًا وموضحًا: (مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة) [متفق عليه].
3.السهام الإبليسية:
تأهب إبليس واستعد، وحدَّد فريسته وشمر عن ساعد الجد، ثم أطلق سهام النظرات لتمرق عبر عينك، تخترق حجب الحياء، وتهتك ستر العفة لتحرك القلب الضعيف؛ فيأمر الجوارح لتلهث وراء إشباع شهوته فينطق اللسان وتهرول القدم؛ فيقع المحظور وتنجرف النفس إلى أوحال المعصية.
ولذلك؛ أرشد الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين والمؤمنات إلى غض البصـر، وأخبر أن ذلك سبب لطهرهم وزكائهم؛ فقال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30].
فيا مطلق البصـر، إذا جالت عينك بمفاتن الحسناوات؛ فقد غرست في قلبك أشواك الخسـران والحسرات، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
فاحذر هذه النظرات واحذر أن تتحول لأفكار وهم ثم فعل ثم عادة، بل إذا زللت فانطلق بصرك فارجع إلى ربك مسرعًا واستغفره جل في علاه فهو رحيم رحمن يغفر الذنوب ويقبل التوبة.
4.الفراغ القاتل
إن الشباب والفراغ والجدة         مفسدة للمرء أي مفسدة
إنها مفسدة الفراغ التي تستحق أن يطلق عليها بحق "أم المفاسد"، فمن فرغت حياته من هدف يعيش من أجله ويكرس وقته لتحقيقه؛ فلن تراه إلا عاكفًا على ما يشبع شهواته، وقد قال الشافعي رحمه الله: (نفسك إن أشغلتها بالحق وإلا أشغلتك بالباطل [الداء والدواء، ابن القيم، (109)].
فأمامك الآن أربع خطوات هامة على طريق بناء العفة:
بناء صرح الإيمان.
ترك رفقة السوء والبحث عن رفقة صالحة.
غض البصر عما حرم الله عز وجل.
ملء الأوقات بما ينفع في أمور الدنيا أو الدين.
وما زالت رحلة العفة مستمرة...
المصادر:
· على خطى يوسف الصديق، محمد السيد عبد الرازق.
·  الداء والدواء، ابن القيم.
· جريدة الأنباء الكويتية.

JoomShaper