كيف تختارين صديقتك ؟
سحر شعير
تصريحات غاضبة لزهرة، جاء فيها:
لا أريد أن يتدخل أحد في شأن صديقاتي. من فضلكم لا تتحكمون فيّ. لقد كبرت ولي الحرية في اختيار صديقاتي..!!
ونحن نقول: من حق زهرة أن تختار صديقاتها.. وأن تتمسك بالصداقة وتوفي بحقوقها.
و واجب على الوالدين أن يشرفا بالتوجيه والتصحيح إن لزم الأمر على تلك الصداقة.. فالصاحب ساحب، وقديما قالوا:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وإن كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
يحتاج الإنسان فطرياً إلى الصداقة:
تقع الرفقة في قاعدة الحاجات الاجتماعية للفرد، فكل إنسان يحتاج إلى الرفقة، فهي حاجة نفسية متأصلة في النفس البشرية منذ أن يدرك ويفهم ما يدور من حوله، وتزداد هذه الحاجة بعد سن الخامسة عشر، حيث ينتقل الطفل في هذه السن من التمركز حول الذات وعلاقات التنافس والعداء مع الأقران إلى ما يسمى بمرحلة "الشلة" التي يسودها روح التفاهم والتعاون بين الرفاق، والرغبة في مزاولة أنشطة مشتركة، بمعنى أنّ الطفل يصبح اجتماعيا، حسن التكيف، يقبل معايير مجتمعه، ويحرص على عدم مخالفتها غالباً
ولذلك تعتبر جماعة الشلة من أهم وأنجح وسائل التربية الخلقية، والإعداد الاجتماعي للأبناء.
يقول الإمام الغزالي – رحمه الله- مشيراً إلى أن تكوين الأخلاق الحسنة، يمكن أن يكون عن طريق مصاحبة الأخيار والصالحين، وكذلك الأخلاق السيئة، يقول الغزالي: "الطبع يسرق من الطبع الشر والخير جميعاً " (د.عدنان باحارث: مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد،ص:226).
وفي مرحلة الطفولة الباكرة قد لا تتهيأ الفرص الجيدة لاختيار الأصدقاء، من المحيط الذي يعيش فيه الأطفال، حيث لا يستطيع الطفل – الطفلة- أن يتجول كثيراً في هذه المرحلة الباكرة من العمر بعيداً عن بيته وأسرته، وغالباً ما تتم الصداقة العابرة من خلال رفقاء اللعب من الجيران أو الأقارب، ولكن عندما يكبر الأطفال، ويصلون إلى مرحلة من النضج تجعلهم يتحركون في مجالات اجتماعية واسعة تمكنهم من التعامل مع عدد أكبر من الناس، يصبح لهم الحق في اختيار الأصدقاء، ويتأكد واجبنا في مساعدتهم في اختيار أصدقائهم. (د.توفيق الواعي: الإبداع في تربية الأولاد،ص:180-بتصرف).
نصيحة للأم: كوني أول صديقة لابنتك..!
عندما يتوجه الكلام لفتياتنا الرائعات، فللأم فيه نصيب كبير.
وسنظل نطالب الأم بأن تمد جسور المحبة والودّ بينها وبين ابنتها، وأن تجعل الهدوء والتفاهم هو السمت الواضح لعلاقتهما؛ وذلك من أجل أن تتقبل الابنة نصائح أمها حول صديقاتها، وتلقى وجهة نظر الأم الاحترام من الابنة، وإن لم تقتنع بها تمام الاقتناع.
نطالب الأم إذن بأن تكون الصديقة الأولى لابنتها، وأن تشاركها اختيار باقي الصديقات.
وتخيري لها حاملات المسك:
لقد جاء التوجيه النبوي في اختيار الأصدقاء والرفقاء واضحاً ومتكرراً، ليعطينا القواعد الكلية المقطوع بصحتها في ضوابط الصحبة واختيار الأصدقاء، فحذّر من رفقاء السوء ووصفهم بالمنفر من السمات، ورغّب في مصاحبة الصالحين، وشبههم بأروع التشبيهات، قال صلى الله عليه وسلم: "مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة" متفق عليه.
بينّي لابنتك الفرق بينهما:
فالصحبة الصالحة بمثابة الطريق الممهد لاكتساب الصلاح والتقوى، والارتقاء إلى مدارج القرب من الله تعالى، فتتقي بذلك آفات النفس، ومكائد الشيطان.
ولذلك أمرنا الله تعالى بصحبة أهل الصدق والتقوى، والحرص على مجالستهم، قال تعالى:"يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" – التوبة:119- (عصام الشريف:المسلمة التقية،ص:38).
بل ويأمرنا الله تعالى بأن نتمسك بصحبتهم، ونحبس أنفسنا عليهم..لا نجاوزهم إلى من عداهم، في تعبير قرآني بليغ رائع: "واصبر نفسك مع الذين يخشون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، ولا تعدو عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا" سورة الكهف:28.
وأمّا رفيقة السوء:
فتدلُكِ على أخلاق السوق، وتعديك من سيء طباعها، وتضيع أوقاتك في توافه الأمور، فضلاً عن أن تُجَرّؤكِ على أنواع من المعاصي والمخالفات لم تكوني لتقدمي عليها أبداً، لولا أن وجدت منها الداعي إليها والمعين عليها!
قال تعالى: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا " سورة الفرقان:27:29.
وفي الأثر: "إياك وقرين السوء فإنك به تُعرف".
وإليك أهم سمات الصديقة الصالحة:
ليس من الضروري أن تكون صديقة الابنة نسخة طبق الأصل منها؛ لأن هذا التطابق أمر عسير، ولكن يحسن أن يكون هناك قدر من العوامل المشتركة، إنما يكون الحرص على التشابه في مبادئ الحياة والمعايير الخلقية، فنحن – معشر المربين والآباء والأمهات- في حاجة ماسّة إلى أن تكون المبادئ الدينية والمعايير الأخلاقية سياجاً واقياً؛ لتدعيم أواصر الصداقة بين الأبناء وأصدقائهم، وبين الفتيات وصديقاتهن.
وهناك حد أدنى من الصفات الطيبة التي لابد أن تتوفر في أصدقاء الأبناء على وجه العموم، والبنات خاصة، مثل أن تتوفر في صديقة الابنة مثل تلك الصفات:
- المؤمنة بالله عز وجل، والطائعة له.
- البارة بوالديها.
- الصادقة في النصيحة.
- ذات الخلق الحسن في التعامل.
- الناجحة المتقنة لعملها، الجادة في دراستها.
- المتوافق مع الابنة في الشكل والعمر والمستوى الاجتماعي. (د.أكرم رضا: مراهقة بلا أزمة،ج/2،ص:75).
- أن تكون الرفيقة ذات ثقافة إسلامية تنم عن عقلية متفتحة، وارتباط بكتاب الله تعالى قراءة وعملاً.
- أن تكون ذات اتزان وتعقل في تلبية الحاجات والرغبات، وأن تحمل في طبعها ومزاجها ما يدعو الابنة للانسجام والارتياح معها.
- كذلك يعتني الوالدان – الأم – بالوسط الذي تعيش فيه الرفيقة، بحيث تكون من وسط خيّر صالح. (حنان الطوري:الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة،ص:266).
وللأم نظرة خبير:
إنّ للأم من الخبرة والنظرة البعيدة والدراية الجيدة بسمات الناس واختلاف طبائعهم والقدرة على التمييز بين الجيد والرديء منها ما ليس للابنة..لذلك:
- حاولي التعرف على أهل صديقة ابنتك ومحيطها الاجتماعي.
- رتبي إيجاد مناسبة للالتقاء بأهل تلك الصديقة، سواء في لقاء عائلي أو من خلال الحفلات المدرسية.
- لا تسمحي لابنتك بزيارة الصديقة في غياب الأهل مهما كانت الظروف.
- حددي وقتا محددا تجلسين فيه مع ابنتك وصديقتها بين الحين والآخر؛ لتكتشفي شيئا من شخصيتها يطمئنك ويريحك.
وماذا لو جاءت نافخة الكير؟
قد تتمسك الفتاة بصحبة رفيقة ليست على مستوى الصلاح والجدية التي ينشدها والدي الفتاة، وفي هذه الحالة ينصح الخبراء باستخدام الطرق الملّحة، ولكنها غير مباشرة في إقصاء هذه الرفيقة؛ حرصاً على الابنة من التعلق بها، فيتجه الوالدان – الأم - إلى التوجيه العفوي، وإلى المتابعة والمراقبة الغير مباشرة، حيث إن الفتاة في هذه المرحلة لن تقبل الملاحظات المباشرة، بل قد تزداد إصراراً على موقفها إذا جابهتها الأم بأسلوب الرفض والاعتراض المباشر على تلك الصديقة دون نقاش.
أما إذا اطلعت الأم على فساد أو ريبة من تلك الصديقة؛ فلها حينئذ أن تتخذ الإجراءات المناسبة. يقول ابن جماعة: (فإن شرع وتعرض لصحبة من يضيع عمره ولا يفيده، ولا يستفيد منه، ولا يعينه على ما هو بصدده، فليتلطف في قطع عشرته من أول الأمر قبل تمكنها، فإن الأمور إذا تمكنت عسر إزالتها، فإن احتاج إلى أن يُصْحِبَه فليكن صاحباً صالحاً ديّناً، تقياً،ورعاً، ذكياً، كثير الخير، قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، إن نسيَ ذكّره، وإن ذكرَ أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبّره) (بدر الدين ابن جماعة: تذكرة السامع والمتعلم في أدب العالم والمتعلم،ص:84،83).
وأخيراً
إنّ العناية باختيار رفيقة الابنة، والحرص على أن تتصف بالديانة والتقى والخشية لله تعالى، فضلاً عن الجدية والتفوق، لهي من الأمور التي تستحق أن تكون في بؤرة اهتمام الوالدين والمربين، وخصوصاً الأم، فلا تتنازل عن التذكير بها والحث عليها؛ فالصحبة دين وخلق وأسلوب حياة.. يقول الشاعر أبو يزيد العدوي:
أبل الرجال إذا أردت إخاءهم وتوسمن أمورهم وتفقد
فإذا وجدت أخا الأمانة والتقى فبه اليدين قرير عين فاشدد
فإذا يزلّ، ولا محالة، زلـــــــة فعلى أخيك بفضل حلمك فازدد
ـــــــــــــــــــــ
المراجع:
- مراهقة بلا أزمة/ج2: د.أكرم رضا.
- المسلمة التقية: عصام محمد الشريف.
- الإبداع في تربية الأبناء: د.توفيق الواعي.
- الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة: حنان عطية الطورئ.
- مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد: د.عدنان حسن باحارث.
كيف تختارين حاملة المسك؟
- التفاصيل