محمد السيد عبد الرازق
ماذا يحدث عندما يهدم الشاب بيديه صرح عفته؟؟ إنها آثار كثيرة متعبة مهلكة تلحق بمن ينهدم صرح عفته، إن عفته تصبح عارية.. عرضه لكل معاول الإثم والفحشاء.
وذلك لأن صرح العفة حصن عتيد، يتحصن فيه القلب من الشهوات والمغريات، فإذا انهار الصـرح صالت الشهوات وجالت في عرين القلب، وسلبت إرادته؛ فتستسلم الجوارح لنداءاتها وتنقاد بأغلالها، فيتنقل الإنسان من هَم إلى هَم، ومن غم إلى غم، تعلوه الكآبة وتكسوه الذلة، وينغمس رويدًا رويدًا في أوحال المعاصي والذنوب.
وعندما يهدم الشاب صرح عفته بيده؛ فقد سلك درب الشيطان، وكلما أوغل في المسير فيه كان عن الله أبعد وإلى شيطانه أقرب، إلى أن يستولي الشيطان على نفسه، فيصير من جنده الذين يبثون سمومه بين الخلق.
وإنها لآثار مدمرة وتبعات مهلكة تلك التي تحيق بمن ضيَّع عفته، وأعطى مفتاح حصنها للشيطان يقتحمها في جزل إبـليسي شامت، نوضحها لك، عسى أن تنأى بنفسك أن ترعى مع هملٍ ينغمسون في شهواتهم وملذاتهم.
حفرة احتقار الذات
ونقصد بحفرة احتقار الذات هي حفرة ا العادة السـرية، تلك المشكلة التي آلمت شبابًا كثيرين وفتيات كثيرات، وهي أيضًا أولى عواقب ضياع العفة والحياء.
استقباح تاريخي
(الاستمناء أو العادة السـرية (Masturbation): هو تعمُّد إخراج المني ووضعه في غير محله دون وطء في فرج.

فهي فعل اعتاد الممارس القيام به في معزل عن الناس غالبًا، مستخدمًا وسائل متنوعة محركة للشهوة، وذلك بالتفكير أو استعمال يد أو حائل أو جسم غير ذلك؛ وذلك من أجل الوصول إلى القذف، ولهذا سميت بالسـرية؛ لأن الشخص يقوم بها وحيدًا وبعيدًا عن أعين الناس، خوفًا من افتضاح أمره، ومعناه في اللغة الإنجليزية: ممارسة الإساءة للنفس، ومعناه بالفرنسية: تعكير تصنعه اليد، أو قاذورات.

وقد سماها بعض الصحابة ـ ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ـ: (الناكح نفسه)، و(الناكح بيمينه)، وقد كان العرب حتى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يعرفونها باسم (جلد عميرة) كما كان يقول شاعرهم:

إذا حللت بواد لا أنيس به               فاجلد عميرة لا عار ولا حرج

إلا أنهم لم يمدحوها؛ لأنها كانت عادة تدل على عدم اكتمال الرجولة، عكس الزنا الذي كانوا يمتدحون به في جاهليتهم؛ دلالة على الفحولة والرجولة ومتانة الجسم، وذلك من جهالتهم) [على خطا يوسف الصديق، محمد السيد عبد الرازق].

ما هي طريق الغواية؟

وتقول بعض الدراسات أن الشباب يتعرفون على هذه العادة بأحد الطرق التالية [من مقالة بعنوان: حل لكنه كارثة]:

·       إما بالممارسة الذاتية بأنفسهم.

·       أو بتعلمها من خلال الرفقاء والأصدقاء.

·       أو بقراءة كتب ومجلات تتحدث عنها بالتفصيل.

وهذه العادة يتفاوت تأثيرها من شاب لآخر سواء على المستوى النفسـي أو الجسدي، وتتحدد فترة الخطر من الوقوع تحت طائلة هذه العادة من أول البلوغ إلى أواخر العشـرينات من العمر؛ حيث ثبت أن أغلبية الحالات التي تعاني مما يطلق عليه إدمان العادة السـرية، إنما كان مرجعه إلى الابتداء به في سن مبكرة، ثم الاستمرار عليه والاستدامة والمبالغة في فعله خلال هذه الفترة؛ حتى تحول إلى إدمان وعادة، وليس وسيلة لتفريغ شهوة وتسكينها، حتى إنه يفقد ذلك الشعور باللذة الذي كان متوافرًا في المرات الأولى، وتتحول من طريقة لتفريغ الشهوة إلى طريقة لاستجلابها.

وبما أن هذه العادة لا تحتاج إلى كبير عناء لممارستها، والدافع إليها قوي، وسلطان الشهوة مستحكم في ضعاف الإيمان؛ يترسخ في أذهان كثير من  الشباب أنها الحل للفرار من ضغط الشهوة؛ فيبدأ في ممارستها، ومن ثَم التعود عليها وإدمانها، فتضيع عفته رويدًا رويدًا.

احذر الأوهام

تلك الأوهام التي تزينها النفس ويزينها الشيطان للشاب والفتاة، بأن العادة السرية ضرورة لابد منها، فضلًا عن تحجج الكثير من الشباب بأن أهل العلم من أفتى بجواز ممارسة هذه العادة للضـرورة، وهذه الضـرورة خشية الوقوع في الزنا، ومن ثَم يتوهم أن حالته تعد من الضـرورة؛ فيتمادى في ممارستها.

فتوى الشيخ ابن باز

وها هي فتوى للعلامة ابن باز رحمه الله، يبين لنا فيها القول الفصل في هذه المسألة، يقول رحمه الله: (الاستمناء باليد محرم في أصح أقوال أهل العلم، وهو قول جمهورهم؛ لعموم قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: ٥-٧].

فأثنى سبحانه وتعالى على من حفظ فرجه فلم يقض وطره إلا مع زوجته أو أَمَته، وحكم من قضـى وطره فيما وراء ذلك أيًّا كان، فهو عادٍ متجاوز لما أحله الله له، ويدخل في عموم ذلك الاستمناء باليد، كما نبه على ذلك الحافظ ابن كثير وغيره.

ولأن في استعماله مضار كثيرة وله عواقب وخيمة، وقد جاءت الشـريعة الإسلامية بمنع ما يضـر الإنسان في دينه وبدنه وماله وعرضه، قال الموفق ابن قدامة رحمه الله في كتابه المغني: (ولو استمنى بيده فقد فعل محرَّمًا، ولا يفسد صومه به إلا أن يُنزل، فإن أنزل فسد صومه) [المغني، ابن قدامة، (3/86)].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى: (أما الاستمناء باليد فهو حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد؛ ولذلك يُعزَّر مَن فعله، وفي القول الآخر: هو مكروه غير محرم وأكثرهم لا يبيحونه، لا لخوف العنت ولا غيره) [مجموع فتاوى ابن تيمية، (9/178)].

الدركات

أما الدركات التي ينزل إليها من اعتاد فعل هذه العادة السيئة، فهي عديدة، ومنها [مستفاد من: الانتصار على العادة السرية، رامي خالد عبد الله الخضر، (4-9)، وبلوغ بلا خجل، أكرم رضا، ص(210)]:

ألم واحتقار ونفاق:

من الآثار النفسية التي تخلفها هذه العادة السيئة، الإحساس الدائم بالألم والحسـرة والاحتقار؛ حيث يؤكد أغلب ممارسيها على أنها وإن كانت عادة لها لذة وقتية، إلا أنها تترك لدى ممارسها شعورًا بالندم والألم والحسرة فور الانتهاء منها.

فربما كان الشاب شديد الخوف من الله، ويقف في الصلاة يبكي خلف الإمام حين يدعو، وفي المقابل تراه بعد ارتكابه للمعصية يجلس يبكي ويبكي بشدة، ويرى من نفسه ذلك التناقض المزعج.

ولا يفهم الشاب أين المشكلة، فيدخل الشيطان متطوعًا بإعطاء التفسير بالتصور الشيطاني الذي يبدو في ظاهره اعتراف الضمير، وهو أن ذلك الشاب منافق ذو وجهين، ثم بعد ترسيخ هذا المفهوم، يزيده من تلك التفسيرات المهلكة: إنك باستمرارك في الوقوع في تلك المعصية تدور في حلقة مفرغة، من ارتكاب للذنب، فبكاء، فتوبة، فندم، فسكون، فشهوة، فارتكاب للذنب، من المحال أن تكون صالحًا؛ فلابد ألا تكون منافقًا ذا وجهين، اترك محاولات التوبة الزائفة هذه، وسلِّم بالأمر الواقع.

إنها اللعبة الإبليسية المعروفة: {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: ٢١]، ويؤدي هذا الشعور إلى تكاسله عن الطاعة، أو انقطاعه عن درس كان يحضـره؛ بحجة أنه يشعر بالنفاق، ثم لا يقف الشيطان بعدها ساكنًا، بل يسارع ليؤكد له أنه على حق، خاصة وإن كان من العاملين في الحقل الدعوي؛ فيوسوس له بضرورة التوقف قليلًا عن الدعوة إلى الله؛ لأنه بذلك سيكون منافقًا ينطبق عليه قول الله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} [البقرة: ٤٤].

والعجيب أن أغلب الشباب ـ وخاصة من يعملون في الحقل الدعوي ـ يقع فريسة سهلة لهذه الوساوس، وينسى أن انقطاعه عن الدعوة لا يحل من المشكلة شيئًا، بل على العكس، فهو يزيدها تعقيدًا.

فالدعوة طاعة كغيرها من الطاعات تزيد الإيمان في القلب، ومن المفترض أن يقوم بعد هذا الذنب باستبدال السيئة بالحسنة حتى تمحها، لا أن يترك طاعة تساهم بشكل قوي في إعادة نضارة الإيمان إلى قلبه.

ضعف وإنهاك:

تسبب العادة السـرية إنهاكًا عامًّا للجسم ككل، ولا سيما للأجهزة العصبية والعضلية، وكذلك مشاكل وآلام الظهر والمفاصل والركبتين، إضافة إلى الرعشة، وذلك كله قد لا يكون ملحوظًا في سن الخامسة عشـرة وحتى العشـرينات مثلًا، إلا أنه في المراحل التالية تبدأ القوى في الخور، ويقل مستوى العطاء في كل المجالات تدريجيًّا.

يقول أحد السلف: (إن المنيَّ غذاء العقل ونخاع العظام وخلاصة العروق)، وجاء في إحدى الدراسات الطبية: (إن مرة قذف واحدة تعادل مجهود من ركض ركضًا متواصلًا لمسافة عدة كيلومترات) [من مقال الإسلام والعادة السرية، من موقع الإسلام ويب].

ذهن قعيد:

ممارس العادة السـرية يفقد القدرة على التركيز الذهني، وتتناقص لديه قدرات الحفظ والفهم والاستيعاب؛ حتى ينتج عن ذلك شتات يكتنف الذهن، وضعف في الذاكرة، وضعف القدرة على مجاراة الآخرين وفهم الأمور فهمًا صحيحًا؛ فالتفكير المستمر في الشهوة، مع إثارة خارجية بصور أو قصص أو أفلام، مع التَّخَفِّي؛ تجعلك تستشعر أنها جريمة، مع شعورك بالإثم بعدها، ومحاولة إزالة آثار فعلتك، هل بعد ذلك كله يكون هناك من تركيز؟!

حتى الحرث الحلال:

يظن الكثيرون من ممارسي العادة السـرية من الجنسين، أن هذه العادة هي مرحلة وقتية، حتَّمتها ظروف الممارسين من قوة الشهوة في فترة المراهقة والفراغ وكثرة المغريات.

ويجعل البعض الآخر عدم قدرته على الزواج المبكر شمَّاعة يبرر بها فعلته ويعلق عليها خطأه، بل إنه قد يجد حجة قوية عندما يدَّعي أنه يحمي نفسه ويبعدها عن الوقوع في الزنا ـ على حد زعمه ـ بمجرد التنفيس عنها وتفريغ الشحنات الزائدة لديه.

وعليه؛ فإن كل هؤلاء يعتقدون أنه وبمجرد الزواج وانتهاء المعاناة، ستهدأ النفس وتقر الأعين، وينمحي أي أثر نفسـي أو عضوي للعادة السـرية، ويكون لكل من الجنسين ما يشبع به رغباته بالطرق المـشروعة، إلا أن هذا الاعتقاد يعد من الاعتقادات الخاطئة حول العادة الـسرية، فمن المتوقع لمدمن العادة السرية عدم حدوث تَكَيُّف مع موقف الجماع الحقيقي مع الزوجة؛ لأن له متطلبات قَبْلِيَّة وتمهيدية، وهذه كلها تختلف اختلافًا تامًّا عن المثيرات المحليَّة أثناء عملية الاستمناء.

وقد سَجَّل الأطباء حالات كثيرة يشكو فيها أصحابها ـ النساء والرجال ـ أنهم لا يجدون المتعة والإشباع الصحيح المزيل للتوتر مع أزواجهن أو زوجاتهم، بقدر ما يجدونه في الاستمناء.

وبسؤالهم وُجِد أنهم كانوا يباشرون الاستمناء بانتظام كعادة شبه يوميَّة بدءًا من بلوغهم الحلم، ولم يَدْرِ هؤلاء أنها أصبحت إدمانًا يحتاج إلى علاج.

وهذه الحالة تجعل الزوج بعد ذلك يفكر في الطلاق، أو أن يُبقي زوجته ولكنه يلجأ إلى الوسائل المحرمة لتحقيق ذلك الاستمتاع، وبالتالي أدخل هذا المسكين نفسه في حلقة مفرغة من المحرمات أملًا في الوصول إلى غايته.

وليته علم أن المشكلة كانت منذ البداية في العادة السـرية واعتيادها منذ الصغر، ودليل ذلك أن الذي عافاه الله منها لا يصل لتلك المرحلة من العناء والجهد للوصول إلى الإشباع، فأقل الحلال يكفيه، يشترك في ذلك الرجل والمرأة على السواء.

إذا لم تستح فاصنع ما شئت:

إن التمادي في ممارسة العادة السـرية يؤدي وبشكل تدريجي إلى زوال معالم الحياء والعفة، وانهدام حواجز الدين والأخلاق، وإذا كان هذا الأمر يُعد واضحًا بالنسبة للذكور، فهو في الإناث أكثر وضوحًا.

فلا عجب أن ترى ذلك الشاب الخلوق، الذي لم يكن ليتجرأ على النظر إلى العورات المحيطة به، من قريبات أو جيران أو حتى في الشارع العام، وقد أصبح يلاحق ويتتبع العورات من هنا وهناك، ولا عجب أن التي كانت تستحي من رفع بصـرها أعلى من موضع قدميها، قد أصبحت هي التي تحدق البصر إلى هذا وذاك في الأسواق وعند الإشارات.

ولا عجب أن ترى الذي كان خياله بالأمس طاهرًا نظيفًا ومحصورًا في كل طاهر وبرئ، أصبح يتنقل بفكره وخياله في كل مجال من مجالات الشهوة الحرام، ومن ثَم ينشغل فكره بها بشدة، ويصبح جل طموحه أن يتخلص منها أو يشبعها؛ مما يفقده  طموحه الأخروي، وحتى الدنيوي الذي كان يحلم به [على خطا يوسف الصديق، محمد السيد عبد الرازق].

وبهذا نكون قد انهينا النتائج المترتبة على انهدام الصرح، وفي المقال القادم بإذن الله نبدأ خطواتنا نحو بناء الصرح الجديد (صرح العفة الوليد).

أهم المصادر:

على خطا يوسف الصديق  محمد السيد عبد الرازق.

مجموع الفتاوى  ابن تيميمة.

الانتصار على العادة السرية  رامي خالد عبد الله الخضر.

بلوغ بلا خجل  أكرم رضا.

JoomShaper