منى أبو صبح
قناعة الموظف صالح وهدان (32 عاما) بالمسؤولية الأدبية والاجتماعية التي يجب أن يتحملها الآباء تجاه أبنائهم كانت سببا في ترك زوجته عملها منذ إنجابهما الطفل الأول، فيرى أن وجود أحد الوالدين مع الأطفال أمر حتمي لا يمكن التفريط فيه، إذ يكونون بذلك في أمان.
ويذكر الحادثة التي وقعت مع عائلة شقيقه الأكبر، عندما خرج الوالدان وتركا طفليهما الصغيرين وحدهما بالمنزل، الأول ثماني سنوات والآخر لم يكمل الخامسة من عمره، وكانت الدهشة عندما تلقى الوالدان مكالمة هاتفية تخبرهما بصراخ ابنيهما في المنزل.
ويوضح، "كان الطفلان نائمين حين خروج شقيقي وزوجته، واستيقظ الصغير لشرب الماء، ليصحو شقيقه الأكبر على صراخه لدى سقوط كوب الزجاح من يده وإصابته بحرح كبير في القدم جراءه، لم يدرك الكبير حينها ماذا يفعل سوى وضع المنشفة والاستغاثة بالجيران وراء الباب المقفل".
ومع انشغال الأهل، يضطر الكثيرون من أولياء الأمور إلى التوجه يومياً للعمل، وترك أطفالهم بمجرد أن يدركوا الحركة والكلام بعد سن الرابعة وحدهم في المنزل، وفي حال دخولهم المدرسة، يعود الطفل ومعه نسخة من مفتاح البيت فيدخل ويبدل ملابسه، ويفتح حقيبته ويأكل ما تبقى من وجبته المدرسية، منتظراً عودة أبيه أو أمه من العمل. وبغض النظر عن الكوارث التي يتسبب فيها وجود الصغار من دون مراقبة.
وعن فكرة إعطاء الطفل مفتاح البيت ليجلس وحيداً في المنزل، تقول الأربعينية سهير المحتسب، "إن هذا الأمر بالغ الخطورة، لأن الطفل مهما كبر لا يمكنه تحمل المسؤولية بمفرده، وإن تعود على أن يجلب أو يعد أشياء بسيطة لنفسه، فهذا ليس معناه القدرة على التصرف في حال حدوث طوارئ منزلية من أي نوع، لا يقدر الكبير السيطرة عليها".
وتذكر في ذلك مثالا لما جرى معها، "لدي ثلاثة أبناء الكبير في الصف السادس، وتخيلت أنه يستطيع السيطرة على أشقائه ومكوثهم بالمنزل بمفردهم حتى أعود".
وتضيف، "استغل ابني في الصف الأول غيابي وغافل أشقاءه الآخرين بفتح الباب، ليقصد منزل أحد أصدقائه، وعلمت عبر الهاتف أنهما لا يعلمان عنه شيئا، لا أدري حينها كيف وصلت للبيت، وبدأنا البحث عنه في كل مكان لمدة ساعتين متواصلتين، وفكرنا بإبلاغ الشرطة خوفا من أن يكون قد خطف، لنفاجأ به راكضا وسط الشارع بعد إنهائه زيارته".
ويصف الاختصاصي النفسي د. خليل أبو زناد أن ما يحدث للأطفال بعيداً عن كنف آبائهم، سواء اضطروا لذلك أو برغبتهم، أمر بالغ الخطورة، موضحا أن الأبناء في كل سن من أطوار النمو لهم احتياجاتهم النفسية التي لا يمكن لغير الأهل تلبيتها.
ويقول، "الطفل يشعر بالوحشة وافتقاد الطمأنينة والأمان بعيدا عن الأهل، وهو ما يزرع فيه بذرة الكثير من الأمراض النفسية مثل القلق والاكتئاب والتوتر، وكلها أمراض خطيرة تترك أثرا في نفس الطفل حالما يكبر".
ويشدد أبو زناد مع تقديره للظروف التي قد تجبر الأبوين على ترك أبنائهما وحدهم في المنزل، على ضرورة التضحية، لا سيما من الأم التي من المفترض أن يستقي منها الطفل كل القيم والأعراف والعادات السليمة، وتقويم السلوك الضار، وهو ما لا يمكن تقويمه بعيداً عنها.
يقول الخمسيني أبو صابر "لم أنس المشهد المؤلم الذي وقع لجارنا، خلال تواجد زوجته بالعمل، وخروجه لإحضار الطعام لأبنائه الأربعة الصغار، وفاجعته الكبيرة حينما رأى الجيران والدفاع المدني حول منزله، ليعلم بوفاتهم جراء التماس الكهربائي الذي تسبب بنشوب الحريق أثناء غيابه، وعدم القدرة على إنقاذ الأبناء".
ويضيف، "لم يتبادر لذهن الأب للحظة أن مكروها سيحل بأبنائه، وإلا لم يخرج، وهنا تأتي ضرورة أن يتناوب الأهل على رعاية الطفل، وعدم تركهم بمفردهم سواء في المنزل أو السيارة أو الشارع، فالطفل لا يدرك الخطر أو كيفية تلاشيه".
التربوية د. أمل بورشيك تقول "بسبب ضيق الحال وتردي الحوال الاقتصادية وتقزم العائلة وتحولها من عائلة ممتدة الى عائلة نووية بدأت العائلات تترك الأطفال في المنازل وحدهم ومحملين الأطفال مسؤولية أكبر مما يستطيعون وتفوق قدراتهم العقلية، ويتفاخر الآباء بأنهم يتركون الأبناء وحدهم".
وتبين مخاطر ترك الطفل بمفرده وهي، عدم قدرة الطفل على التصرف لانه لايمتلك الخبرة الكافية، حيث تشده الأفلام التي يشاهدها مما يقلل من انتباهه لما هو مطلوب منه، شعوره بالخوف وقد يحمله معه لسنوات عدة، لوم الطفل إذا أخطأ أو قصر فيما هو مطلوب منه، عدم قدرة الطفل التعامل مع الغاز أو الكهرباء أو الوقوع فلابد من تهيئة مبادئ السلامة العامة للحفاظ على سلامتهم، توظيف الهاتف فعال ولكن قد ينتهي الشحن أو يتوقف الارسال، مما يسبب خروج الطفل عن طوره وهدوئه.
وعن الاحتياطات التي يجب الأخذ بها في حال ضرورة تركهم بمفردهم توضحها وهي، اتخاذ الإجراءات الآمنة للغاز والتدفئة والكهرباء، عدم اطالة فترة الخروج من المنزل، تهيئة الطعام وغرفة مريحة للعب ولكن الآن الكثير من الأمهات يتركن الاطفال أمام أجهزة التلفاز لفترات طويلة، ابعاد الأدوات الحادة عن أيدي الأطفال، وضع الأدوية بعيدا عن متناول ايديهم، تدريب الطفل لفترات قصيرة ومتابعة تصرفاته، تقدير سلوك الطفل هل هو عدواني أو عصبي أو لايكترث بالمسؤولية حتى لايمزق ويؤذي نفسه أو يتلف الأثاث من حوله.
وتختم، تتفاوت أعمار الأطفال ومقدرتهم على التحمل من طفل إلى آخر، وطبيعة المنزل تلعب دورا في ذلك، ومقدار توفير الأمان لهم، وتقول، "بتقديري بعد عمر العاشرة قد يمكن الاعتماد على الأطفال ولكن قبل ذلك هي مجازفة، مع أن كثيرا من الأهالي يتركون أطفالهم من الصف الأول وأعتبرها مجازفة وخاصة مع أقارب لهم من نفس العمر مما يؤدي الى إبداعهم وتفننهم باللعب بطريقة قد تؤذيهم".
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

JoomShaper