أخبار الآن | دمشق - سوريا - (يمنى الدمشقي)
خلقت الثورة السورية حالة من الإبداع الناتج عن الألم لدى عدد كبير من الأطفال السوريين، وخدم هؤلاء الثورة كل حسب استطاعته، بالرغم من صغر أعمارهم وعدم مناسبة هذه المهام لأطفال قرروا التطوع بهدف ترك بصمة في ثورة الحرية والكرامة.
يقول ناشط من ريف دمشق: "وجد أطفال سوريا أنفسهم في مواجهة ظلم وقتل لا مثيل له، والأكثر من كل هذا أن هناك جيل بدأ ينشأ على قيم الحرية والعدالة والديمقراطية على غير ما تعلمه في مدراس الأسد البعثية، التي كان جلُّ همها أن تكرس لمفاهيم الانتماء للحزب والولاء للقائد وتبجيل الجيش، فوجد هذا الجيل نفسه أمام حرية منقطعة النظير، يغني ويهزج للحرية، ويشارك في المظاهرات"."حسام" شاب صغير في الخامسة عشر من عمره، من سكان حي برزة، انخرط في العمل الثوري منذ بدايته على الرغم من معارضة أهله له، لكن بعد مقتل صديقه بنيران قناصة النظام تعهد بإكمال الطريق، وفعلاً بدأ يشارك بتنظيم المظاهرات وتعليق الأعلام في ساحة الحرية وسط الحي، وتوزيع المياه على المشيعين لجنازات القتلى.
ومع اشتداد الحصار على حي برزة والقوة التي سلطها النظام عليه، وبروز العمل المسلح بشكل أكبر، اضطر حسام للابتعاد قليلاً عن كل هذه المظاهر السلمية، إذ باتت لا تشكل خطراً كبيراً على النظام كما السابق.
في تلك الأثناء وفي ابريل 2013 قام النظام بضرب حي برزة وللمرة الأولى بصورايخ أرض – أرض، وبدأ الناس يهربون بشكل جنوني خارج الحي، حتى أن الواحد منهم بات يريد النجاة بنفسه فنزحت نصف العائلات، وبقي نصفها محاصراً داخل الحي، فيما سارع حسام حينها للالتحاق بالفريق الطبي في الحي وبات يسعف المصابين.
يقول الطفل حسام "15 عاماً" من أطفال حي برزة لـ"أخبار الآن": "بقيتُ ملتحقاً بالفريق الطبي، أساعدهم في أعمالهم الطبية البسيطة أو أقوم بتحضير الطعام لهم، أو الإشراف الطبي على المرضى، حتى أني كنت أشارك بدفن الشهداء".
ويضيف حسام: "كنت من المتفوقين في مدرستي، لكني وبنفس الوقت كثيراً ما كنت أتعرض للإهانة أو السخرية من قبل زملائي من مؤيدي الأسد بسبب كوني مؤيد للثورة، هذا الأمر كان دائماً يغضبني حتى بدأت المظاهرات تتوسع في الحي عندنا وصرت أخرج فيها".
حتى بعد فوز الأسد بالانتخابات الرئاسية وعودة الحياة تدريجياً إلى ما كانت عليه، لم يتوقف حسام عن المضي في الثورة، فبات يوثق جرائم الأسد بكاميرته البسيطة ويتجول في الحي المدمر يوثق آثار الدمار، ويشارك بكتابة العبارات الثورية على الجدران والعبارات التي تدعو إلى الوحدة وعدم الفرقة ومساعدة المتضررين من أهالي الحي.. وينهي حسام، بقوله: "كلنا أقسمنا قسم الحرية، لكني أتعهد بالمضي عليه حتى النصر أو الشهادة".
"عبد الرحمن" 11 عاماً، طفل من دمشق، من عائلة قدمت الكثير للثورة، نشأ على حب الرسم من عمر 3 سنوات وعندما اشتدت وطأة الحرب على سوريا خاصة في منطقته داريا، بدأ يعبر عن وقوفه إلى جانبها من خلال رسوماته، فتارة يرسم بشار وهو يتبجح بأسلحته، وتارة يرسم علم الثورة السورية بين أيدي الجيش الحر، وتارة يرسم مقارنة بين سوريا الحرية وسوريا الأسد، حتى اضطروا للخروج خارج البلاد، واستقروا في مصر، وهناك شارك في معرض "ربيع الحرية" في القاهرة، وتركزت أعماله على الكاريكاتير وإجرام "حزب الله" في سوريا، كما شارك بمعرض "أريد وطني" في اسطنبول في لوحات أسماها (إنا عائدون- مستقبل الياسمين- دماؤنا زهور الحرية) إضافة إلى لوحات مشبعة بالأمل عن العودة إلى البلد.
وكعبد الرحمن آلاف الأطفال السوريين الذي وجدوا في ورقة وبعض الألوان نافذة للتعبير عن جرح بلدهم النازف.
"معرض رسومات أطفال الحرية" واحد من المعارض التي جمعت أطفال لاجئين من تركيا ومصر ولبنان والأردن، وشاركوا هؤلاء بدورهم بما لا يقل عن خمسمئة لوحة عن الثورة السورية بعيون أطفالها، تركزت هذه المعارض في تركيا وبرلين وباريس.
تقول "يسرى العبد" وهي ناشطة انتقلت للعمل في المجال الإغاثي بعد عملها في النشاطات السلمية، أنها وجدت في عيون هؤلاء الأطفال في هذه الأعمار أملاً متقدّاً وإرادة لم تجدها عند غيرهم، ففي الوقت الذي كانت تخشى الخروج أثناء القصف في حيها، ترى أحدهم قادماً إليها معرضاً حياته للخطر لإنقاذ عائلة محاصرة أو لإحضار الدواء لرجل مصاب أو مريض أو لمساعدتها في حمل السلات الغذائية.
"لأن الحرب اجتاحت هذا البلد بلا إذن، فقد كبر أطفالنا عشرون عاماً، وكبرت فيهم الإرادة وحس المسؤولية حتى لكأنك تشعر أن هذه البلد تقام أعمدتها من معاناتهم وأملهم وإنجازاتهم، وترى في عيون الواحد منهم غضباً قد يشعل ألف ثورة، وفقاً لأحد النشطاء.