روبن بارنويل, موقع الـ BBC
ترجمة: موقع الحل السوري.
أظهر فيلم ليز دوست رعب ومأساة الأطفال المتشائمين والمصابين بصدمات نفسية،الذين تاهوا في الصراعات. ولكن، بقدر ما كانت صعوبة رؤية الفيلم، بقدر ما يستحق هؤلاء الأطفال اهتمامنا.
قد تعتقد أن توقيت فيلم “أطفال سوريا” على الـ BBC2)) كان مؤسفاً، فتركيز العالم بأكمله حتى الآن هو على أطفال آخرين، تجدهم نحو الجنوب قليلاً، يعانون صراعات أخرى. وهذا ببساطة أصاب صميم المشكلة، مشكلة حزن الأطفال الذين عاشوا الصراعات.
أطلقت ليز دوست على الحرب في سوريا اسم “الحرب على الطفولة”، وهي المراسلة الدولية الرئيسية للـBBC ، لذلك بإمكانها التحدث ببساطة عن غزة أيضاً.
مشاهدة الفيلم ليست بالأمر الهين، فتعليقات دوست مثقّلة بالمأساة والفزع، وكأنها تحاول زيادة حجم المأساة في كل تعليق جديد. “لقد ضاع الأمل وأخذ معه البراءة… فكيف يمكن لطفل استيعاب رؤية والديه وقد انحنى ظهرهما إنهاكاً لمجرد البقاء على قيد الحياة ليوم آخر… أو رؤية نقل جسدي طفلين بأكياس… أو رؤية أخيه مصاباً بجروحٍ قاتلة… أو رؤية الأم مقطوعة الرأس…”.ببساطة، ليست هناك أخبار جيّدة، حتى شعاع الأمل النادر في الحياة الطبيعية واللطف أصبح نسبياً ومشوهاً. تقول دوست: ” تعالت الأصوات المتواصلة للمدفعية وإطلاق النار والتفجيرات، على أصوات ضحكات الأطفال”.
للدمار منظر سينمائي وكأنهم أطلقوا النار بشكل جميل ومرتب، ولو أن الحديث عن الجمال هنا ليس بالخطأ الكبير. فحمص ومخيم اليرموك في دمشق المحاصران يبدوان كشيء يشبه هيروشيما، أو مشهد صنع بالماكس لشدّة مرارة المنظر. فهي ليست مناظر ترغب رؤيتها واقعياً، وليس في القرن الـ 21 على الإطلاق. وحده الحَمَام – ينقضّ على المآذن، حراً في طيرانه حيث يشاء، مدركاً أن السلام قد انتهى على هذه الأرض منذ 4 سنوات- وحده ذلك الحمام يبدو سعيداً.
ولكن بالطبع الأطفال بأنفسهم يبقون في الذاكرة فترة أطول. فعيون كفاح ذي الـ 13 عاماً، تفصح عن الصدمة التي عانى منها، وينهار وجهه وهو يخبر دوست: ” لا يوجد خبز”. تتحول الصحفية إلى مواسية عند هذه النقطة، فتقترب لتضع يدها على كتف الطفل، وتقوم بعدها وبرقّة برفع يد الأم التي فقدت الأمل، لتمسّد يدها بشيء من الحيرة.
حدّثتها طفلة أخرى وبعينين حزينتين عن أكل قطّة، وعن معرفتها لأسماء الأسلحة، بدلاً من تعلمها القراءة والكتابة. أما دعد ذات الـ 11 عام تحدّثت عن كوابيسها وقالت: “أنا أكره المستقبل كثيراً”. أيُعقل أن يكره المستقبل ذوو الـ 11عاماً؟!!
سُرق منهم تعليمهم، طفولتهم، براءتهم، وتفاؤلهم، كان عليهم أن يكبروا بسرعة كبيرة، والآن يتحدثون بكلام أكبر من عمرهم. “للطفل حقٌ بالتعلم واللعب” تقول دعد. ” وللعائلات حقٌ بالسكن، والتعلم، والطعام والشراب. لم يبقى مكان للحب في سوريا”.
يقول عزّالدين، وهو واحد من مليون ونصف طفل مهجّر في مخيّم للاجئين على الحدود في الأراضي التركية- : “أنا طفلٌ فقط بالمظهر والعمر، إنما لست كذلك بالأخلاق والإنسانية”، ويضيف عزّالدين ذي الـ 10 أعوام قائلاً: “في السابق كان الطفل بعمر الـ12 عام يُعتبر صغيراً، أما الآن فينبغي عليه الذهاب للجهاد”.
الأمر ليس مجرّد حكمة متشائمة اكتسبها هؤلاء الأطفال في عمرٍ مبكّر، لقد تعلّموا الكراهية، كما تعلّموا الانحياز المتجذّر من آبائهم والتحدّث بطريقتهم ورأيهم. من الصعب رؤية مزيد من الأمل عندما تجد طفلاً بعمر العاشرة يتحدث عن الجهاد، وعن دفن العدو في مقابر جماعية، كل هذا الكلام بمباركة والده.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يُقلق هو والد جلال ذو الـ14 عاماً، “لو كان هناك خيارٌ بين سوريا والتضحية بجلال، لضحّيتُ بجلال”، هذا ما قالهُ عن ابنه الوحيد. ويضيف: “لأن من الممكن استبدال الابن بآخر، لكن لا يمكن استبدال الوطن”. ويقول أيضاً: “الطفل السوري جريءٌ بطبيعته، وليس لديه مشكلة بالتأقلم مع أي وضع” وهنا يستهزئ جلال من حديث والده فيقول: “مُلئت قلوبنا بالخوف”.
من الصعب أن نتفاءل بالحمير مثل هؤلاء كملهمين للأجيال القادمة “الحمير كملة عزّالدين عن الأسد كما حصل، لكنني وافقته، لذلك استعنت بكلمته”، لا يفيض قلب دوست كثيراً بالأمل. “هؤلاء الأطفال هم مستقبل سوريا” هذا ما قالته وأنهت حديثها أخيراً بالقول: “كلما طال أمد هذه الحرب، كلما زادت ظلمة المستقبل”.
لذلك أقول لا، مشاهدة الفيلم ليست بالأمر السهل، لكنه مهم، ومن الأفلام التي يصعب أن تراها ولا تتأثر بها. هؤلاء الأطفال – كفاح وجلال ودعد وعزّالدين ومريم التي فقدت ساقها، وكل هؤلاء الذين فقدوا آبائهم وأقاربهم وأصدقائهم، أو حياتهم، وبالتأكيد طفولتهم الخاصّة، بالإضافة أيضاً إلى أطفال غزّة – لم يكن ينبغي أن يذهب هؤلاء الأطفال إلى المخيم، ذلك من خلال الكثير من الأشياء، فهم يستحقون بعض الاهتمام، يستحقون أن نصغي إليهم، لا أن ننساهم.