فيرونيك أبو غزالة - صحيفة الحياة اللندنية
المآزق الأمنية والاقتصادية ليست وحدها ما يواجهه النازحون السوريون في لبنان، بل هناك مشكلة كبرى تشكّل خطراً مباشراً عليهم خصوصاً الأطفال منهم الذين لا تكفيهم مأساة النزوح لتأتي الأمراض والأوبئة ومشاكل صحّية أخرى فتهدّد حياتهم في كلّ لحظة.
فبعد أن أصبحت مخيّمات النازحين مزدحمة إلى الحدود القصوى وعشرات الأشخاص يتشاركون الخيمة ذاتها، بات هناك حاجة ماسة لحملة توعية تساعد على تطبيق أقلّه الحدّ الأدنى من السلوكيات الصحّية السليمة كيلا يكون الأطفال ضحايا الإهمال والفقر المدقع. وهذا ما تقوم به مؤسسة «الرؤية العالمية – لبنان» من خلال حملة «صحّة طفلكِ في يدكِ» الممولّة من وزارة التنمية الدولية البريطانية، في نداء موجّه مباشرة إلى الأمهات القادرات على إنقاذ أطفالهن من براثن الموت والمرض عبر إجراءات بسيطة.
ولم تنطلق هذه الحملة بسبب مراقبة بيئة النازحين فقط، بل كان هناك دراسة ميدانية لإمكانات تغيير السلوك الصحّي، حيث تبيّن أنّ الممارسات الأساسية للحفاظ على الصحّة غير مطبّقة في المخيّمات.لا اهتمام
تأتي حملة «صحّة طفلك في يدك» لتذكّر بالبعد الإنساني والصحّي للنزوح السوري إلى لبنان، في وقت أصبحت النقاشات حوله تقتصر على المواضيع الأمنية أخيراً. فكما تشير مسؤولة قسم الإعلام والتواصل في مؤسسة «الرؤية العالمية - لبنان» منى داوود، إلى إنّ «ازدحام المستوطنات غير الرسمية والملاجئ الجماعية بالعدد المتزايد للاجئين يشكّل تحدّياً حقيقياً خصوصاً للأمّهات النازحات اللواتي تمنعهن الصعوبات المعيشية من الاهتمام بأطفالهن كما كنّ معتادات». فلا تتوافر للمخيّمات كميات كافية من المياه، وهناك فقدان كامل لشبكات الصرف الصحّي والخدمات والتسهيلات التي تُعنى بذلك، وهذا ما ينتج منه زيادة الأمراض والأوبئة خصوصاً عند الأطفال دون السنتين
وتلفت داوود إلى أنّ الحملة التي أطلقتها المؤسسة تندرج ضمن مشروع المياه والإصحاح المموّل من الاتحاد الأوروبي، الذي يركّز على الترويج لأربع سلوكيات مهمّة: غسل اليدين بالصابون، استعمال مرشح (فلتر) لتطهير مياه الشرب وتنقيتها، التخلّص الدائم من النفايات ومن براز الأطفال الذي يُعتبر مسبّباً لأمراض كثيرة وناقلاً للميكروبات.
وبحسب الدراسة التي أجرتها المؤسسة، تبدو هذه الممارسات الأربع غائبة في شكل شبه كامل عن تجمّعات النازحين. ولكن لم يفت الأوان بعد، فهناك أمراض مثل الإسهال يمكن تفاديها إذا اتخذت الإجراءات الوقائية اللازمة. وهذا ما تسعى إليه الحملة التي تعزّز إدراك الأمهات بقدرتهن على ممارسة السلوك الصحّي السليم من دون الاضطرار إلى إنفاق المال.
فالتخلّص من النفايات أمر ممكن وسهل وغير مكلف، فكلّ تجمّع يستطيع إدارة نفاياته بالشكل السليم للوقاية من الأمراض والحفاظ على صحّة الكبار كما الصغار. وبما أنّ هناك معاناة كبيرة من المياه الآسنة، وزّعت مؤسسة «الرؤية العالمية» مرشحات المياه للحدّ من التلوّث.
عمل ميداني
لا تنحصر حملة «صحّة طفلك في يدك» بإطار التوعية الكلامية للنازحين، بل هي جزء من مشروع أكبر يُعرف بـ»Wash Program» المخصّص لتأمين المياه النظيفة والصحّية للنازحين. ويمنح هذا المشروع عائلات النازحين السوريين الأكثر تأثراً المياه والصرف الصحّي والخدمات والتسهيلات التي تُعنى بالنظافة كالخزانات والمراحيض. وهناك أيضاً لقاءات بالأمهات النازحات بوجود ممرّضات واختصاصيات في المجال الصحّي لتوعيتهن حول سبل حماية أطفالهن.
وترى مسؤولة مشاريع الإغاثة في منطقة الجنوب نوال عياد أنّ الأمّ النازحة من سورية فعلت المستحيل لكي تنجو بأطفالها، ولا تزال تناضل لتؤمّن لهم الأمن والسلامة. لذا يحاول مشروع المياه والإصحاح أنّ يساندها من خلال مساعدة النازحين على تعلّم طريقة إدارة النفايات الصلبة وتطبيق الممارسات الصحّية الأساسية لحماية الأطفال.
وتتوقع عياد أنّ تنجح الحملة في تحقيق أهدافها، لكنّها لا تنكر وجود تحدّيات عدّة ومنها قلّة الموارد كالماء، لكن هناك سعي مستمر لإيجاد الحلول كيلا يُترك الأطفال لمصيرهم المجهول في ظلّ الوضع الحالي. وبما أنّ اللوحات الإعلانية الخاصة بالحملة انتشرت على الطرق السريعة في لبنان، فالاستفادة لن تكون للأمهات النازحات فقط بل لأي أمّ على الأراضي اللبنانية، لأنّ الأحياء الفقيرة في مناطق عدة تشترك في هذه الأزمة الصحّية مع مخيّمات النازحين.