أسعد حنا - أورينت نت

في قلب سوريا في الوسط , في بقعة لم تفرغ من سكانها بعد، ثمة أم على الرصيف المقابل للمدرسة , تضم إلى صدرها جسد طفلها الذي وجدته أخف وزناً مما اعتادت عليه .. الجسد لم يكن كاملا .بل بقايا ... أشلاء . اكتفت الأم بالنظر إلى الوجه المبتسم الذي لم يستطع الدم أن يطغى على آثار الحبر الأزرق الذي رسم به الأطفال على وجوه بعضهم البعض قبل خروجهم لموتهم .... هناك أيضا في أقصى الشمال الغربي أم ثانية ضمّت ابنها إلى صدرها بكامل وزنه ودون دماء لكن لم تكن فاجعتها أقل من الأم الحمصيّة... كلا العائلتين دفنت أبنائها بهدوء دون قدرتهما على مطالبة أي قانون بالحساب من القاتل رغم أن الجرميتين كان واضح المرتكب فيهم لكن (ما باليد حيلة)!

بعد المجزرة التي تم ارتكابها في حي (عكرمة) بمدينة حمص‘ والتي قضى على إثرها ما يقارب الثلاثين طفل من المدرسة بتفجير إرهابي استهدفهم أثناء انصرافهم... وقد أشارت جميع الأدلة وبتأكيد من أهالي الأطفال (المعروفين بموالاتهم للنظام) أن هذه العملية يقف خلفها النظام والفروع الأمنية لمحاولة زيادة الفتنة الطائفيّة في المدينة، والمتاجرة بالأطفال ومنع إقامة المصالحة بين المعارضة والموالاة في مدينة حمص!

لم يستطع أحد أن يحاسب القاتل وإنما جاء أعضاء اللجنة الأمنية التي أصبحت مرفوضة في الشارع الحمصي الموالي ليقدموا التعازي للأهالي ووعدوا الأهالي بالتعويضات المالية لهم من قبل الدولة وإعتبار أبنائهم شهداء للوطن. (وفي وقت لاحق تضاعفت الاتهامات حول أن النظام يقف وراء هذه العمليّة، بعد ما قيل عن تصفية مديرة المدرسة بعد أيام من الحادثة ضمن الحي الموالي للنظام والذي يعد قلعة منيعة على المعارضة، وتضاربت الأنباء حول وجود جثتها ضمن سيارتها... وقال المقربون منها أنها الوحيدة التي كانت تمتلك سجلات غياب الأطفال الذين امتنعوا عن الدوام يوم التفجير مما يدل على معرفة الأهالي بالموضوع!

كذلك في إدلب صُدم الأهالي، وفارت فورتهم عندما بدأ أولادهم يتساقطون أمامهم بعد أن تلقوا اللقاح الذي من المفروض أنه ليحميهم من أمراض ممكن أن تصيبهم لاحقاً..

فكانت النتيجة هي التسريع بقدوم هذا القدر المحتوم بسبب خطأ لم يتحمّل مرتكبه مسؤولية أنه يتعامل مع أجساد أطفال، فكانت نتيجة هذا الإهمال (إذا أحسّنا النيّة) هو سقوط سبعة وعشرين طفلاً وعدّة حالات شلل وإعاقة دائمة دون أن يكون هناك أي محاسبة للمسؤولين من الحكومة المؤقتة ووحدة التنسيق والدعم رغم تحميلهم المسؤولية من قبل الإدارات المسؤولة عنهم، ومن ثم تمت إقالة وزير الصحة الحزّوري وسهير الأتاسي ليتم لاحقاً التراجع عن الإقالة وبقاء كل شخص في منصبه، و إصدار قرار بتعويض أهالي الضحايا بمبلغ مليوني ليرة سورية لكل عائلة مقابل عدم رفع دعوى في المستقبل وبقاء كل شخص على كرسيه!

أما العاملون في الداخل والممرضين الذين قاموا بتقديم اللقاح تم اعتقالهم من قبل المحاكم الشرعية هناك، وتأنيبهم وتعرضهم لنوع من الضرب كنوع من تحميلهم المسؤولية وللتخفيف من غضب الأهالي... وثم إطلاق سراحهم لاحقاً.

في كلتا الحالتين كان المسؤول عن المجزرة هو من يدّعي تمثيل من تمّ قتله وكلاهما يتمتع باعتراف دولي من مجموعة دول وبعضها يسمّى دول عظمى منحته الترخيص لمزاولة أعماله ليتكلم باسم فئة من الشعب السوري , لذلك يترتب على كل من أعطى الشرعية لهذه السلطة وأعترف بها سياسيّاً ودبلوماسيّاً أن يمارس دور الرقابة عليها ليمنع قيامهم بما يرقى لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية , فلا سلطة نزيهة بدون رقابة وقضاء مستقل فمن يحاسب القتلة ؟؟؟ وتتمثّل الشيزوفرينيا السياسيّة لدى كلا الطرفين بأن كل منهم يدين مجازر الآخر ويطالب بمحاسبته، دون أن يقوم بهذا الإجراء بحق موظفيه الذين ارتكبوا نفس التصرفات في المناطق التي يديرونها، فقام النظام السوري بالإدانة والمتاجرة بالأطفال الذين سقطوا في إدلب بسبب اللقاحات واعتبرها دليل على عدم أهليّة المعارضة السورية لإدارة أي منطقة من سوريا، كذلك قامت المعارضة بإصدار بيانات تدين الإعتداء على أطفال مدرسة عكرمة والتوضيح والتحقيق بأن النظام كان وراء الحادثة!

يقوم الآن على حكم سوريا خمس حكومات تتمثل بحكومة النظام في دمشق وحكومة المعارضة بالخارج، وثلاث حكومات لما يسمونه "غرب كردستان" في كانتوناتها الثلاث (الجزيرة وعفرين وعين العرب) والحكومات الثلاث تمارس أعتى أنظمة القمع بحق المدنيين، ولا يمتلكون أي قدرة على محاسبة المتعالين على القانون من الميليشيات الموجودة والتابعة لهم .

JoomShaper