متابعة – التقرير
أطفال سوريا في بلاد اللجوء لبنان، الأردن تركيا مصر، معاناة قاسية، وحياة بائسة لا تعليم ولا صحة ولا رعاية اجتماعية تراعي ظروفهم وآدميتهم، الأغلبية العظمى يعيشون في رعاية أم معيلة استشهد زوجها أو معتقل في سجون النظام أو مختف لا يعرف مصيره، أو يقاتل بين الثوار؛ مما يجبر الأطفال إلى التسول في شوارع وطرقات البلدان التي يعيشون فيها، أو العمل كالعبيد نظير دراهم معدودات، من قبل تجار جشعين، لا يراعون طفولة ولا إنسانية بشر، وهناك يقعون في برائن مافيا تجار البشر والمخدرات.
في العاصمة الأردنية عمان وفي مدينة الزرقا ومدن أردنية أخرى، تجد هؤلاء الأطفال دفعتهم الحاجة للتسول، إما بمفردهم أو بصحبة عائلتهم الوحيدة لدفع إيجار الحجرة التي يعيشون فيها، لأن إعانة اللجوء لا تكفي الحاجة الأساسية، وكذلك في مطار أتاتورك الدولي بإسطنبول، تجد الأم السورية معها طفل أو اثنان أو أكثر يقومون بالتسول. فالإعانة التركية الإنسانية للسوريين لا تكفي سد الرمق، والعيش في المخيمات على الحدود أو القريبة منها لا يستوعب الكثيرين في ظل وجود مئات الآلاف السوريين الذين عبروا الحدود التركية، وتوزعوا بين المخيمات والملاجئ المعدة لهم، والمدن التركية التي تستقبلهم وتيسر لهم “الإقامة الإنسانية”.أما في لبنان، فالوضع أصعب بكثير، في ظل التوترات بين الجيش اللبناني والجماعات المسلحة المعارضة للنظام السوري، وقد رصدت صحيفة “الاندبندنت” في تقرير لكاتبها المتخصص في شؤون السرق الاوسط “روبرت فيسك” إجبار آلاف الأطفال السوريين اللاجئين على العمل قسريا في لبنان بعنوان “200 ألف طفل سوري لاجئ في لبنان مجبرون على العمل القسري”، وقال “فيسك” إن العالم نسي محنة السوريين الذين هربوا من بلادهم، وانشغل بالأعمال الوحشية التي يرتكبها “تنظيم الدولة الإسلامية”. ووصف “فيسك” مخيم “سعد نايل” الذي يحتضن اللاجئين السوريين بأنه “مُفجع”.
يتعرضون للضرب بالعصيّ
وقال روبرت فيسك إن العديد من الأطفال السوريين اللاجئين في لبنان، يعملون في جمع البطاطا والفاصوليا والتين من الحقول في سهل البقاع، مضيفا أن العديد من هؤلاء الأطفال يتعرضون للضرب بالعصي، أثناء عملهم في صورة شبيهة بزمن العبيد. وتناول “فيسك” في تقريره قصة الطفل عبد الله البالغ في العمر 11 عاما، الذي توفي بعدما ابتلع حلزون متعفن أثناء عمله في ورشة للبناء الأسبوع الماضي، وقد أخفى أمر ابتلاعه الحلزون عن أهله خوفا من معاقبته إياه، فدفع حياته ثمنا لذلك.
200 ألف طفل
وأضاف “فيسك” أن “عبد الله” هو واحد من 200 ألف طفل لاجئ سوري، يعملون قسريا في لبنان، مشيرا إلى أنه عند انتهاء الحرب المدمرة في سوريا، فإنه سيترتب على هؤلاء الأطفال إعادة بناء بلدهم شبه المدمر، موضحا أنهم سيعودون إلى سوريا نصف متعلمين، وقد عاشوا طفولة قاسية وأجبروا على العمل في سنّ مبكرة، والنوم في أكثر المخيمات قذارة. وكشفَ “فيسك” خلال تجوله في المخيم عن وجود مهنة مقاول أنفار، والتقى بأحدهم ويدعى “رضوان أبو خالد” وهو مسؤول عن توظيف الأطفال في الأراضي الزراعية، ويدفع لهم أقل من جنيه استرليني يوميا. وأكد “أبو خالد” أنّه لا يستطيع زيادة أجور الأطفال لأنه بحاجة لتأمين مواصلاتهم إلى الحقول يوميا، إضافة إلى أنه يستأجر الحقول من أصحابها اللبنانين.
مقبرة الفاعور
وبادرت إحدى المؤسسات غير الحكومية مؤخرا بمساعدة الأطفال السوريين اللاجئين في لبنان، إلّا أن “فيسك” يصف مأساتهم بأنها كبيرة، إلى حدّ أن بعض مجالس البلديات في لبنان لا تسمح بأن يدفن اللاجئين السوريين موتاهم في مقابرها، إلّا أن أحد اللبنانيين الخيرين تبرع بقطعة من الأرض لدفن السوريين، وتعد اليوم مقبرة الفاعور، المكان الوحيد في لبنان، يدفن فيه المسلم والمسيحي في مكان واحد.
وقد رصدت منظمات حقوقية الوضع المزري للأطفال السوريين في لبنان وتفشي صور العنصرية، في التعامل معهم. ويقول مدير مركز أمم للتوثيق والأبحاث لقمان سليم، إنّ اللبنانيين -وعلى مدار العقود- حاولوا إلقاء تبعات “حقدهم الطائفي” فيما بينهم على الحلقة الأضعف، وإن ما نشهده من عنصرية هو إعادة إنتاج ممنهجة تخدم مصالح سياسية، حيث يعيش لبنان حالة استعصاء سياسي، ولا بد من إيجاد خصم سهل يتهم بكل الكبائر، على حدّ قوله.
ضخ الأفكار العنصرية
ورفض “سليم” التبريرات التي تتذرع بالعبء الذي يسببه وجود مليون ونصف مليون لاجئ سوري، وأنها تجعل منهم سببا فيما يتعرضون له، مضيفا أنّ من الطبيعي أن تتضاعف الحوادث مثلما يتضاعف استهلاك الخبز ويتضاعف إنتاج القمامة، وهذا يحدث في أي مجتمع، “دون أن ننسى أن ضخ الأفكار العنصرية كان يجري على يد الفرقاء السياسيين مما مهد لتحولها إلى شكلها العنيف”. وأشار إلى دعوات ممنهجة سابقة تنادي بإعادة اللاجئين السوريين، بدعوى أن هناك مناطق آمنة في سوريا، بينما كانت بعض البلديات تفرض عليهم حظر التجول. وكشف “سليم” صراحة -طبقا لـ”الجزيرة نت”- أن الكثير من حالات التعدي على اللاجئين وقعت في “مناطق شيعية” خاضعة لسيطرة حركة أمل وحزب الله، مما يدل على أن جمهور هذين التنظيمين بدأ يخرج عن طوع القيادة السياسية عقب الانخراط في الأزمة السورية.
مليون و140 ألف لاجئ
وطبقا لإحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يبلغ عددُ اللاجئين السوريين في لبنان، مليونا ومئة وأربعين ألف نسمة، وتشير تقديرات المفوضية السامية إلى أن هذا العدد يرتفع إلى مليون ونصف المليون بحلول نهاية العام 2014، ويزيد هذا الرقم على ثلث سكان لبنان، وقد وصفت الناطقة باسم المفوضية السامية، ميليسا فليمينغ، الوضع في لبنان وكأن “الشعب الألماني لجأ بكامله للعيش في الولايات المتحدة في ظرف ثلاث سنوات”.
قسائم المواد الغذائية
وقال تقرير بعنوان: “تقييم جوانب الضعف لدى النازحين السوريين في لبنان”، نشرته المفوضية، إن قسائم المواد الغذائية تشكل 41% من الموارد، بينما تشكل العمالة العرضية غير الزراعية 29%، والعمالة القائمة على المهارات 13%. وقال التقرير إن نحو 70% من الأسر المسجلة لدى المفوضية تتلقى قسائم غذائية بشكل منتظم، كما تتلقى حوالي 41% من الأسر مجموعة مستلزمات للنظافة الصحية، في حين يستفيد نحو 25% من الأسر من الرعاية الصحية المنتظمة. ووفقا للمفوضية، فإن 40% من أسر اللاجئين السوريين في لبنان تضم سبعة أفراد أو أكثر، وأن 65% منها تضم أطفالا دون سن الخامسة، وهناك 16% من الأسر تعيلها امرأة، و12% منها وحيدة العائل، وتعيش 59% من الأسر في شقق ومنازل مستقلة، في حين تعيش أكثر من 40% منها في خيام وملاجئ جماعية، ومبان غير منتهية ومواقف للسيارات، ومنشآت عشوائية وغرف منفصلة. ووفقا لوزارة الداخلية والبلديات اللبنانية، هناك حاليا 1400 مخيم عشوائي للاجئين السوريين في لبنان.
ظروف صحية صعبة
اللاجئون يعتمدون على الرعاية الصحية التي تدعمها وكالة غوث اللاجئين، لقلة التمويلات، واضطرت وكالة اللاجئين لتقديم معايير كثيرة لمن يُمكن علاجهم في المستشفيات. ولكن حتى عندما يوفي اللاجئون بالشروط المطلوبة للعلاج في المستشفيات، يدفع معظمهم 25% من تكلفته. وأكثر أنواع المساعدة التي تقدمها المنظمات الإنسانية في مجال الرعاية الصحية للاجئين تتمثل بتقاسم التكاليف مع المريض، وقد استفادت نحو 16% من الأسر من الرعاية الصحية الأولية المجانية التي تقدمها الجهات الفاعلة الإنسانية، في حين عجزت حوالي ثلث الأسر عن الوصول إلى هذه المساعدات.
300 ألف طفل بدون تعليم
وعلى صعيد الأوضاع التعليمية، لا يرتاد المدارس سوى 34% من أطفال اللاجئين السوريين ممن هم في السن المدرسي، لعدم توفر الموارد المالية، فضلا بلوغ المدارس الرسمية طاقاتها الاستيعابية في عدد من المناطق. وهناك نحو 100 ألف تلميذ سوري في المدارس اللبنانية، بينما يجلس نحو 300 ألف تلميذ آخر في منازلهم، بانتظار فرصة الحصول على مقعد مدرسي، وتشير الأمم المتحدة إلى أنه جرى تسجيل ما يزيد على 1.1 مليون طفل سوري حول العالم كلاجئين، وفي كل من الأردن ولبنان، يعمل أطفال لاجئون، تصل أعمارهم إلى سبع سنوات، لساعات طويلة، وهم يتعرضون في بعض الأحيان للخطر الجسمي والنفسي الكبير، ويواجهون صنوفا عديدة من الاستغلال وسوء المعاملة.