"الله.. الحرية.. سوريا وبس" آخر صرخة أطلقها طفل سوري قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن نادى على أمه وأبيه فلا من مجيب. هذا الثلاثي: الله والحرية وسوريا، آخر ما تبقى له من هذا العالم، وأول ما يأخذه معه إلى العالم الآخر. أطلقها تحت التعذيب من الجيش السوري النظامي أو من الشبيحة وهو لا يستطيع الدفاع عن نفسه إلا بهذه الصيحة التي تعبر عن تجربته الصغيرة في الحياة. لا نفاق فيها ولا لف ولا دوران بطريقة المثقفين. يعبر عن فطرته التي تسبق الأيديولوجيات السياسية أو تتجاوزها.
لم يستنجد بالمثقفين العرب أصحاب الأقلام والالتزام السياسي، الوطنيين منهم والقوميين. لم يقل "يا عرب"، خاصة وعامة، نخبة وجماهير. ولم يستنجد بالحكومات العربية وبالأشقاء في النضال وعلى رأسهم مصر. لم يستنجد بالجامعة العربية التي تمثل الحكومات العربية وتمثل السياسات الرسمية العربية التي كثيراً ما تضحي بالشعوب في سبيل النظم. لم يستصرخ المنظمات الدولية، الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو المنظمة الدولية لحقوق الإنسان أو المنظمة الدولية لحقوق الطفل أو محكمة الجنايات الدولية للنظر في جرائم الحرب.
الله هو العادل الذي لا يظلم. هو الذي يأخذ حق الضعيف من القوي، والأعزل من المسلح، والمسالم من المحارب. هو الملاذ الأخير بعد أن يعجز المضطهد عن الدفاع عن حقوقه في الحرية والكرامة بل عن وجود ذاته. هو الذي يستصرخه جميع المضطهدين "حسبنا الله ونعم الوكيل"، و"الله عليك يا ظالم"، و"الله أكبر على كل من طغى وتكبر". وهو الذي وعد بالنصر. هو المنتقم الجبار، ذو الطول، المعز المذل، الرافع الخافض، المحيي والمميت. هو أقوى من النظم السياسية مهما أوتيت من جبروت القوة، وقساوة القلب، وعنف العدوان. وهو ما تثبته تجربة التاريخ في قصص الأنبياء، الصراع بين الحق والباطل، نوح وقومه، لوط وقومه، موسى وفرعون. وكل قصص الأنبياء يقوي الروح المعنوية للمناضلين من أجل حرية الأفراد والشعوب لأنها هي التي تنتصر في النهاية. والإيمان بالله هو الرصيد الأخير للمقاومة ولاستمرار النضال. هو الإيمان بالحق والعدل والحرية. وهو الذي يؤدي إلى التضحية عن طيب خاطر. وهو الذي وراء هتاف السوريين "الموت ولا المذلة"، "لا إله إلا الله، الشهيد حبيب الله".
وبداية الشهادة الأولى "لا إله" صيغة نافية، تنفي الإيمان أو التسليم بكل آلهة العصر المزيفة: المال، السلطة، الجاه، الشهرة من أجل تحرير الشعور الإنساني منها حتى يؤمن بالإله الواحد القهار وهو معنى الشهادة الثانية في صيغة الاستثناء "إلا الله".
ثم كانت الحرية أول هدف من أهداف الثورة العربية قبل العدالة الاجتماعية. فالكرامة تسبق الخبز. والضمير يأتي قبل الفم. والقلب يتقدم على المعدة.
ثم تأتي "سوريا" المبدأ الثالث في هذا الثلاثي الذي أطلقه الطفل الصغير تحت آلام التعذيب قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. وسوريا هي الوطن، مكان الولادة، وذكريات الطفولة. الحنين إليه مهما طال البعد بحثاً عن الرزق. سوريا التي غنى لها في مدرسته والتي عشقها في خياله. هي الوطن الأصلي وليس الوطن البديل مهما هاجر إلى تركيا أو لبنان أو الأردن. فالحنين إلى الأوطان عاطفة طبيعية. وسوريا هي الريف والنهر والجبل والصحراء وليست النظام السياسي أو "الأسد إلى الأبد". الولاء للوطن. والحياة والممات في الوطن. والوطن لا يتغير.
في العهد القومي في الخمسينيات والستينيات ظهر ثلاثي آخر "حرية، اشتراكية، وحدة" بصرف النظر عن ترتيبه بين مصر وسوريا، سوريا تبدأ بالوحدة ومصر تبدأ بالحرية.
ويدل هذا الثلاثي الذي أطلقه الطفل السوري قبل أن يفارق الحياة على أن الوحدة الطبيعية القادمة هي وحدة تتجاوز القومية التقليدية إلى نوع من الوحدة. هي وحدة أو تكتل ثقافي تاريخي، عانى من الاستعمار، وحرر نفسه بنفسه. وهو تكتل حر وطني. يعطي الحرية للشعوب ويقوم على حب الأوطان. فلا تعارض بين التوحيد والحرية والوطنية.
ثم يأتي اللفظ الرابع "وبس" أي يكفي الإيمان والحرية والوطن كمبادئ ثلاثة مثل المبادئ الثلاثة للثورة الفرنسية: الحرية والإخاء والمساواة. فقد أسهبت الأيديولوجيات في عرض برامجها. وأطالت في صياغة نظرياتها. لم تفهمها الجماهير وإن فهمتها النخبة. تتطلب درجة عالية من التعليم ومن الوعي السياسي الذي لم يكتمل عند الطفل. الإيمان والحرية والوطن تكفي. ثم توضع الأصابع في الآذان، "أفلح إن صدق". كل شيء يُؤجل إلى ما بعد، بعد التوحيد بين البشر "كلكم لآدم، وآدم من تراب" ضد الطائفية والعرقية، وتحرير الشعوب، والولاء للأوطان.
ولا يمكن القضاء على هذه المبادئ الثلاثة مهما تمت مواجهتها بأعتى الأسلحة وأكثرها فتكاً. ومهما طالت مدة العدوان. المبدأ باق. وسلاح القمع يغلبه سلاح الجيش الحر في مقابل الجيش النظامي أو يُدمر وتغلبه الإرادة الشعبية.
وعلى هذا النحو يتحقق النجاح في بلدان الثورات العربية الخمسة. وتنتهي أسطورة المؤامرات الخارجية وكأن الشعب العربي غير قادر على أن يثور ضد الاستبداد من أجل حريته وكرامته. وهل من الضروري التلازم بين القومية والاستبداد، بين الممانعة والقهر؟ وهل وسيلة مقاومة التآمر الخارجي على وحدة الوطن هي إسالة دماء الشعوب أم التكاتف معها ضد الخطر الخارجي؟
إن صرخة الطفل السوري وهو يفارق الحياة جعلت الأطفال في سوريا والشباب في مصر وليبيا، والنساء في اليمن وغيرها وقود الثورة. وبالتالي تنتهي صورة المجتمع العربي الذكوري بفضل الثورة. وإذا كان صمتنا قد قتل الأطفال في سوريا فلعل صرخة هذا الطفل توقظ ضمائرنا، ولعل سوريا تعود محوراً للنضال العربي بدلاً من الصراع على السلطة بين الأحزاب في الأوطان التي انتصرت فيها الثورة، وتكاد تضيع.
المصدر. الاتحاد