ديما محبوبة
عمان- اختلفت حياة الثلاثينية ميسر خوالدة قليلا، بعد أن شاركت أطفالها اللعب خلال الأسبوع الماضي، حيث تقول "شعرت بالكثير من النشاط، وبكسر الروتين القاتل، وأحسست بمزيد من القرب من أطفالي".
وتذكر أنها لم تقم بهذا النشاط الجماعي منذ فترة طويلة، وذلك بسبب ضغوط العمل، والحياة القاسية، وكثرة الهموم. لكن بعد هذه المشاركة وجدت أن الحياة من الممكن أن تتبدل من خلال اللعب الذي يرفه عن الذات.
علماء النفس يؤكدون أن اللعب هو أي سلوك يقوم به الفرد من دون غاية عملية مسبقة. وهو نشاط سار وممتع، يتضمن إشباعا للحاجات، كما أنه وسيلة للتعبير عن النفس، وطريقة لفهم العالم. وفي اللعب تظهر الرغبات والمخاوف، والمناهج والصراعات والهموم، وكل خفايا العقل الباطن.
كما يرون أن أهمية اللعب تكمن في كونه أسلوب تعلم ودراسة، وتشخيص وعلاج أيضا، حيث يعد اللعب إحدى وسائل العلاج المهمة في الطب النفسي.
أم أسعد اعتادت هي وأبناؤها، وزوجها، قضاء يوم الجمعة في عمل تشاركي، منذ أن أصبحت عائلتها كبيرة، وأفرادها واعين. وذلك إما من خلال تشارك الجميع في الطهي، أو من خلال لعب الرياضة مع الأب في حديقة المنزل، أو بالذهاب لقضاء أوقات جميلة في مزرعة العائلة الكائنة في جرش، أو بممارسة ألوان الرياضة كالسباحة وألعاب الكرة.
وتبين أن هذه المشاركة جعلت منها امرأة متفائلة، وأن هذا النشاط قد انعكس على أفراد أسرتها، خيرا وتقربا ومودة.
التربوية رولا أبو بكر تذهب إلى أن اللعب غالبا ما يرتبط في الأذهان بمرحلة الطفولة، ولكن في الحقيقة هناك حاجة إلى ممارسة اللعب في كل مراحل العمر، حيث بالإمكان تطوير أساليب اللعب تماشيا مع مراحل العمر المختلفة.
ففي مرحلة الطفولة، كما تقول، يكون اللعب بسيطا، ويغلب علية الطابع العضلي، ويكون في الغالب فرديا، وبعد ذلك يتطور هذا الأسلوب فيصبح اللعب يعتمد أيضا على ملكة الذكاء والتفكير، ويتسع ليصبح جماعيا ويعتمد على المشاركة، ويتطور بعد ذلك تدريجيا فيتخذ أسلوب المباريات التي تظهر فيها روح الجماعة، والتمسك بقواعد اللعب وقوانينه.
أم سعد ترى أيضا أن أهمية اللعب تكمن في كونه فرصة للتنفيس عن فائض الطاقة، فضلا عن أن اللعب وسيلة للتسلية والترفيه، والترويح عن النفس بعد العمل، حيث يجدد النشاط، ويساعد على التخلص من مشاعر التعب والإحباط.
وتبين مدرسة الرياضة في إحدى المدارس الخاصة، هدى سليمان، بأن ممارسة اللعب والرياضة في جميع مراحل الحياة تمنح الإنسان الشباب الدائم. ففي رأيها ليس هناك عمر معين يتوجب فيه التوقف عن الاستمتاع بالحياة ومسراتها، لأن التوقف عن الاستمتاع بالحياة معناه الاستسلام، طواعية، للإرهاق والتوتر والكآبة.
وتلفت إلى أنها تعمل باستمرار على تنشيط طالباتها، من خلال التطبيق العملي الذي يحرك الجسم والذهن معا، والاستمتاع بكل دقيقة من حصتها، ومن خلال اللعب الفكري، والمسابقات الذهنية، أو الرياضية، مما يجعل الفتيات مستمتعات بهذه الحصة.
ويبين اختصاصي علم الاجتماع، د. محمد جريبيع، بأن هناك الكثير من أفراد المجتمع الأردني الذين يغلب عليهم طابع الجد والحزم، حيث لا يشعرون بأن اللعب ليس مقتصرا على جيل دون جيل، وإنما هو صالح ومطلوب لكل الأجيال، وأنه مهم للنفس والصحة الجسدية معا، والمؤسف أن هؤلاء لا تشغلهم سوى ضروريات الحياة.
ويضيف جريبيع "الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا سويا ومميزا في الحياة إلا إذا عمد إلى إنفاق بعض من طاقته في أمور تبعده عن الأشياء التي لا تتسم عادة إلا بالجدية، منوها إلى أن اللعب هو أحد هذه الأنشطة التي قد تبدو كمالية وغير ضرورية لكنها كانت وما تزال إحدى طرق الإبداع.
واللعب، كما يقول، ينطوي على فوائد عظيمة، موضحا "ولنا أن نعلم أن الإنسان كثيرا ما توصل إلى استخلاص آلات نافعة من أشياء كان يلهو بها. فاللعب تجربة مفتوحة، قد تكون هي الطريق إلى الاكتشاف والتعلم وظهور المواهب".
أما من الناحية النفسية فيقول اختصاصي علم النفس د. محمد حباشنة "اللعب في علم النفس مفتاح أحيانا لفهم شخصية المريض. فالقدرة على الاستمتاع باللعب تمثل إحدى العلامات الصحية التي لا تدل فقط على المهارة والاهتمام لدى الفرد، بل أيضا على خلوه من كل ما يقلق راحة البال، كالقلق وتأنيب الضمير، ولوم النفس". فالأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية لا يتفاعلون مع اللعب والترفيه، بحسب حباشنة، ويبقون في حالة شد نفسي وتوتر قد يصل إلى حد الغضب والاكتئاب. ويتفق حباشنة مع اختصاصي الطب العام د. نور الدين الخطيب، في القول بأن للعب وممارسة الرياضة آثارا صحية ونفسية كبيرة، إذ يعمل اللعب على تنشيط العضلات والمفاصل والجهاز الحركي بصفة عامة، وله فوائد كبيرة للقلب والدورة الدموية والشرايين والجهاز التنفسي.

JoomShaper