بسام حسن المسلماني
عند الحديث عن بدايات الدعوة لتغريب المرأة المسلمة، والتي بدأت مع ظهور كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" عام 1899م، دائما ما نتناول المراحل والخطط والتطورات التي مرت بها هذه الدعوة، حتى مكنت لنفسها في عدد من المجتمعات دون أن نتحدث عن ردود الفعل التي صاحبت ظهور هذا الكتاب، وخلال هذه المقال سنستعرض أبرز ردود الأفعال على نشر كتاب "تحرير المرأة" في محاولة للاستفادة من هذه التجارب في مناهضة دعاة التغريب اليوم.

كتاب تحرير المرأة:
وقبل الحديث عن ردود الأفعال نتناول أبرز ما تضمنه كتاب قاسم أمين "تحرير المرأة" من أفكار:
1 - إن المرأة مساوية للرجل في كل شيء، و "إن تفوقه البدني سببه استعمال الأعضاء".
2 - "إن الانتقاب والتبرقع ليسا من المشروعات الإسلامية، لا للتعبد ولا للأدب، بل هما من العادات القديمة السابقة على الإسلام والباقية بعده "وهي عادة عرضت على المسلمين" من مخالطة بعض الأمم، فاستحسنوها وأخذوا بها، وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين والدين منها براء". لكن بالنسبة للأمم الأخرى فإن هذه العادة "تلاشت طوعًا لمقتضيات الاجتماع وجريًا على سنة التقدم والترقي".
3 - إن الحجاب ليس عائقًا عن التقدم فحسب، بل هو مدعاة للرذيلة، وغطاء للفاحشة، في حين أن الاختلاط يهذب النفس ويميت دوافع الشهوة!.
غضب عارم
فور نشر كتاب تحرير المرأة انتفض المسلمون في كل مكان رافضين ما يحمله الكتاب من أفكار وقد تجلت ردود الفعل في موجة عارمة من المعارضة، كان أكثرها مقالات صحافية، وقد اتهمه المعارضون بالهذيان، وبأنه ممن تخطف زخارف التمدن الغربي بصائرهم، يرى المحاسن ولا يرى المساوئ، وهاجمه علماء الدين هجوماً عنيفاً، وحكم الفقهاء بأنه خرق في الإسلام، ومروق من الدين، وعدها الكثيرون ضرباً من المبالغة في تقليد الغربيين، واتهمه آخرون بالجناية على الدين، ثم الوطن، وأنه يرمي إلى قلب الهيئة الاجتماعية المصرية، وممالأة الإنكليز على ضياع البلاد، وأنه ينفذ أمنية من أماني الأمم الصليبية التي تريد بها هدم الإسلام، وتقويض الآداب والأخلاق، وتحريض النساء على الفساد، واتهمه من يعضد هذه الدعوة بأنه ليس من المسلمين.
ولم يكتف دعاة الحق وأنصار الحجاب بالمقالات العنيفة، بل ألفوا الكتب العديدة (التي بلغ عددها مئة كتاب) تبطل شبهات قاسم وتقيم الحجة عليه من أدلة الشريعة المطهرة، من هذه الكتب: " السنة والكتاب في حكم التربية والحجاب "لمحمد إبراهيم القياتي. ومنها: "الجليس الأنيس في التحذير عما في تحرير المرأة من التلبيس" لمحمد أحمد حسنين البولاقي. ومنها: "خلاصة الأدب" لحسين الرفاعي. ومنها: "نظرات في السفور والحجاب" لمصطفى الغلاييني. ومنها: "قولي في المرأة" لمصطفى صبري. ومنها: "رسالة في مشروعية الحجاب" لمصطفى نجا. ومنها: "رسالة الفتى والفتاة" لعبد الرحمن الحمصي).

موقف "محمد طلعت حرب":
على أن أول كتاب ألف في الرد على قاسم أمين هو كتاب: "تربية المرأة والحجاب" وهو أهم ما ألف وأعمقه أثراً ألفه "محمد طلعت حرب"، وقد استنكر في كتابه هذا على قاسم دعوته ودافع عن الحجاب.
ويبدأ الكتاب بمقدمة يثبت فيها المؤلف أن المستعمر الغربي يجاهد بكل الطرق ليغير وضع المرأة المسلمة، كأنما وكلتهم المرأة للدفاع عنها، وما ذلك إلا ليثبتوا أن الشريعة الإسلامية قد ظلمتهن. أما هدفهم البعيد فهو التدخل في شؤون المسلمين باسم الإنسانية، وفرنجة المرأة في المجتمع الشرقي، لتنحل مقوماته الاجتماعية، حيث يقول: (إن رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوروبا من قديم الزمان، لغاية في النفس يدركها كل من وقف على مقاصد أوروبة بالعالم الإسلامي).
وقال أيضا: (إنه لم يبق حائل يحول دون هدم المجتمع الإسلامي في المشرق لا في مصر وحدها - إلا أن يطرأ على المرأة المسلمة التحويل، بل الفساد الذي عم الرجال في المشرق).
ويتحدث طلعت حرب في الباب الأول من كتابه عن وظيفة المرأة، فيقرر أن الأديان جميعاً تنفي مساواة المرأة بالرجل، مساواة كاملة ويورد النصوص من التوراة والإنجيل والقرآن التي تؤكد سيادة الرجل، وحسن المعاملة والتقدير للمرأة، ويقرر أن سعادة الأسرة لا تكون بوجود قائدين في بيت واحد، وإنما تكون بتوجيه الرجل توجيها حكيما.
ثم قال: (إن للمرأة أعمالا غير ما للرجل، ليست بأقل أهمية من أعماله، ولا بالأدنى منها فائدة، وهي تستغرق معظم زمن المرأة إن لم نقل كله: الرجل يسعى ويكد ويشقى ويتعب ويشتغل ليحصل على رزقه ورزق عياله، وامرأته ترتب له بيته، وتنظف له فرشه، وتجهز له أكله، وتربى له أولاده، وتلاحظ له خدمه، وتحفظ عينه عن المحارم وهو يسكن إليها ...). وينتقل إلى الباب الثاني فيتناول تربية المرأة ويؤكد أن (الشريعة قد حثت على التربية الخلقية التي تضمن إصلاح النفس، وعمار الكون، وضمان السعادتين، وكان السلف الصالح يعودون أبنائهم عليها، فيشبون وقد تشبعوا بمكارم الأخلاق، ولم تول الدنيا عنا إلا يوم أهملنا تلك التربية، ثم دهمتنا المدنية الغربية بما بها من مظاهر خادعة، فحسبناها منتهى ما يدركه الإنسان من الكمال فتسابقنا إلى التشبه والتقليد.
فإذا كنا نريد إصلاح حقيقي فلننظر إلى مدنيتنا الإسلامية، ولنقتبس منها أسس التربية السليمة لكل أفراد المجتمع من بنين وبنات).
ثم ينتقل إلى أهم نقاط البحث، وهي مشروعية الحجاب فيعرض لقوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وينقل من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة رضي الله عنهم أن المقصود ستر الوجه؛ لأنه أعظم زينة للمرأة، أما ما جاء في قوله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) فهي الكحل والخضاب، ثم كيف يمكن الاختلاط مع غض البصر؟

موقف "محمد فريد وجدي":
كما نشر"محمد فريد وجدي" في "المؤيد" و "اللواء" بضع مقالات ينتقد فيها كتاب قاسم أمين، حيث يقول: (إذا أشرنا اليوم بوجوب كشف الوجه واليدين، فإن سنة التدرج سوف تدفع المرأة إلى خلع العذار للنهاية في الغد القريب التي بلغت بها حالة التبذل درجة ضج منها الأوروبيون أنفسهم، وبدلا من أن نضرب الأمثلة بالغرب دائما ينبغي أن نولي وجوهنا إلى عظمة مدنيتنا الإسلامية الماضية).
ويتهكم أحد الكتاب بالدعوة إلى خروج المرأة للعمل، ويحاول أن يتصور المرأة وقد خرجت إلى معترك الحياة تعمل فإذا البيوت مقفرة، والشوارع مزدحمة بالرجال والنساء، والمحال التجارية وقف بها المتحككون بالنساء البائعات، أما الزى فخليط عجيب، امرأة بقبعة وأخرى بغيرها، والمقص قد تحيف الجيوب والذيول والأكمام، والتصقت الملابس بالمرأة حتى صارت كبعض جسمها ثم يتساءل قائلا: (أهذا ما نريده؟ إن ما نريده حقا هو تربية المرأة قبل كل شيء).

موقف "مصطفي كامل":
كان للكتاب دوي شديد على قاسم أمين لأنه كان بمثابة تحدى صريح للرأي الإسلامي العام، وهجوم سافر ضد الإسلام لذلك لم يكن عجبا أن يقف "مصطفى كامل" من هذه الحركة موقف المقاومة والعناد، إذ تحسس ورائها الأصابع البريطانية، فربط بين هذه الحركة وبين الإنكليز، على أنها وسيلة من وسائله المتلونة في القضاء على مقومات الأمة.  فسارع إلى مقاومة هذه الحركة الخائنة، وتحذير الأمة منها، فأشار إليها في أول اجتماع عام عقده عقب صدور ذلك الكتاب في الخامس من شعبان سنة (1317 هـ) الموافق الثامن عشر من سبتمبر (1899م) حيث قال: (إني لست ممن يرون أن تربية البنات يجب أن تكون على المبادئ الأوروبية، فإن في ذلك خطراً كبيراً على مستقبل الأمة، فنحن مصريون،  ويجب أن نبقى كذلك، ولكل أمة مدنية خاصة، بها فلا يليق بنا أن نكون قردة مقلدين للأجانب تقليداً أعمى، بل يجب أن نحافظ على الحسن من أخلاقنا، ولا نأخذ عن الغرب إلا فضائله، فالحجاب في الشرق عصمة وأي عصمة، فحافظوا عليه في نسائكم وبناتكم، وعلموهن التعليم الصحيح، وإن أساس التربية التي بدونه تكون ضعيفة ركيكة غير نافعة ... هو تعليم الدين).
وقد بلغ "بمصطفى كامل" الاهتمام بمقاومة هذه الحركة المسمومة إلى الحد الذي جعله يفتح صدر صحيفة "اللواء" منذ أول ظهورها سنة (1900 م) لكل طاعن على "قاسم أمين" وأفكاره فكانت "اللواء" - كما يقول الدكتور "محمد حسين هيكل" -: (خصماً لدوداً لقاسم وأفكاره، وكانت ميدان لأشد المطاعن عليه) اهـ.
وكتب "مصطفى كامل" في اللواء (31 يناير 1901 م) يؤكد على (وجوب الالتفات إلى تربية النساء فهي دعوة يوافق عليها كل مثقفي الأمة، أما الحرية للمرأة فلا محل للحديث عنها الآن، وعملية التطور الطبيعي تسير سيرها المحترم، وفرق بين التطور والتطوير القسري الذي لا يؤمن معه من سوء العاقبة، فإن الرجل منا أهون عليه أن يموت من أن يرى من أهل بيته امرأة فاسدة ولو كانت بهجة العلم وحليته).
ردود أفعال الشام والعراق:
لم تكن ردود الأفعال مقتصرة على مصر وحسب، وإن كان أقوى الردود ظهرت في مصر؛ نظرا لأن الكتاب نشر فيها في البداية، فقد توالت ردود الأفعال المنتقدة للكتاب في كل من الشام والعراق، وأعلن المعارضون لقاسم أن الدعوة إلى خروج المرأة المسلمة اقتداء بالغربية، دعوة لا تستند إلى حجة مقبولة؛ لأن الغربية لم تناد بالخروج إلى المجتمعات وإلى الحرية المطلقة، وإنما الرجال هناك هم الذين دفعوها إلى العمل تخلصاً منها، وطمعاً في الانتفاع بتعبها، فكانت النتيجة أن استدرجت إلى مواقف لم تأمن معها الزلل، وفقدت بيتها، وفقدت أنوثتها، وإذا كان التاريخ يستفظع وأد بعض رعاع العرب لبناتهم تخلصاً من العار، فكم يكون استفظاعه لحياة كثير من الفتيات في هذه المدنية التي يود البعض أن نقتضي بها؟!
وثار علماء الدين في الشام ثورة عنيفة ضد "قاسم أمين" فأعلنوا أن دعاة السفور هم دعاة فساد؛ لأنه يخالف ما أمر به الدين، ولأن السفور يقود الناس حتما إلى المجون وهدم القيم، وبذلك تنحل كل الروابط الاجتماعية.

رد فعل سلطان مالديفي:
عندما علم سلطان مالديفي بالكتاب، وبما تضمنه من أفكار تهدف لسفور المرأة، ثم الكتاب الآخر لقاسم أمين "المرأة الجديدة" 1901م ، الذي أخرجه قاسم ليدعم به أمر كتابه الأول، ويفتح به آفاقًا جديدة لتحلل المسلمين من دينهم وأخلاقهم، قال: "أما تعليم النساء المسلمات فقد أصبح من المسائل الحيوية للإسلام والمسلمين، ولكنه لو مال عن طريق الشريعة الغرّاء إلى خطة مدنية الغرب الغبراء، كان معولاً لهدم أركان الإسلام وفأسًا لفتح القبور لأبنائه ودسّهم فيها وهم أحياء، أما رفع الحجاب فلا أرضاه لنسائي وبلادي، وأما حق المرأة وحق طلاق زوجها فدعوة لا تصدر من معترف بقول الله في كتابه: {الرجال قوامون على النساء} فنسأل الله السلامة".

معارضة في بيت قاسم :
من الطريف أن دعوة قاسم أمين واجهت معارضة من داخل بيته، فقد ظلت زوجته ترتدي حجابا كاملا، ورفضت خلعه، وقد ذكرت في بعض تصريحاتها بعد وفاته: (أنه- أي قاسم- لم يرغمها على السفور عندما كان ينادى إليه). وتقول: (إنها ظلت ترتدي البرقع والحبرة) وإن قاسماً (كان يكتفي بالمناداة بفكرته، ولكنه لم يطبقها في أسرته إلا على النشء الجديد، أعني بناته)، ثم تحاول تبرئة قاسم من وزر الفساد الذي ترتب على دعوته فتقول: (إن بنات الجيل الحالي وشبابه قد أخطأوا فهم هذه الدعوة، وتجاوزوا مداها، فالمظهر الذي تظهر به فتيات هذا عصر ليس سفوراً بل بهرجة فظيعة، لم يكن يخطر على بال قاسم أن ينادي بها، أو يدعو إليها، وإنما كان قاسم ينادي بالسفور الشرعي (!) الذي لا يزيد عن إظهار الوجه واليدين والقدمين ولا يتجاوزه إلى إظهار العورات، وإلى اختلاط المرأة بالرجل بالشكل الحاصل الآن، وإني أعتقد أن قاسم بك لو كان حياً لما رضي عن هذه الحال بل لانبرى إلى محاربتها).
ويقول مصطفى أمين أنه عندما كان طفلا هو وأخوه علي أمين، وكانت زوجة قاسم أمين تأتي إلي بيت سعد زغلول بعد وفاة قاسم بعشر سنوات، (حيث كانت تأتي بين وقت وآخر لزيارة صفية زغلول، فلا تكشف وجهها أمامهما، بل إنها إذا تناولت الغداء مع صفية، كانت تُعد لهما مائدة في غرفة أخرى، وتُناول سعدًا الطعام وحده، ذلك أن قاسم أمين الرجل الذي دعا المرأة المصرية إلى نزع الحجاب فشل في إقناع زوجته بأن تنـزع حجابها، وظلت متمسكة بوضع الحجاب على وجهها).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
- عودة الحجاب، محمد أحمد إسماعيل المقدم، دار طيبة (توزيع دار الصفوة) - الطبعة العاشرة، 1428 هـ - 2007م.
- أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، سيد بن حسين بن عبد الله العفاني، دار ماجد عسيري للنشر والتوزيع، جدة – السعودية.
- هل تصدق ؟ (زوجة قاسم أمين تغطي وجهها! ودرية شفيق انتحرت! )، سليمان بن صالح الخراشي، موقع صيد الفوائد.

 

JoomShaper