طارق السيد
للاستشراق دور رئيس في إثارة وتحريك ما يسمى بـ"قضايا المرأة المسلمة"، فقد حاولت حركة الاستشراق متخفية وراء البحث العلمي إثارة الشبهات حول الإسلام، وكان للمرأة وقضاياها نصيب كبير، لإدراكهم أهمية موقع المرأة في المجتمع المسلم، لذلك قام المستشرقون بقلب محاسن الأحكام الخاصة بالمرأة إلى مساوئ، وأثاروا حولها الشبهات، وأضافوا افتراءات وإسقاطات كانت في كتبهم المحرّفة؛ بهدف الإساءة للإسلام والتأثير على المرأة المسلمة التي تجهل حقوقها الشرعية، واستدراجها إلى الدعوة لتحرير المرأة، وصولاً إلى هدم المجتمع المسلم الذي يكون صلاحه بصلاح المرأة.
فعقب محاولات الغرب المريرة السيطرة على العالم الإسلامي والتي كان آخرها الحملة الصليبية الثامنة، حملة لويس التاسع على تونس، وقد باءت كلها بالفشل، و تحول الغرب عن المواجهة العسكرية إلى المواجهة الفكرية، وكانت أهم أدواته في ذلك إنشاء جيش من المستشرقين، وتأسيس كراسِ للدراسات الاستشراقية، التي تستهدف اكتشاف  العالم الإسلامي واختراقه لمعرفة عاداته وتقاليده ونفسية شعوبه خاصة النساء.

نماذج من المستشرقين
وممن كرس دراساته لقضايا المرأة والأسرة المسلمة  المستشرق الألماني« جوزيف شاخت » ( schacht Joseph  1969 - 1902م )، الذي اهتم في إنتاجه بالفقه الإسلامي؛ بتحقيق عدة نصوص والتعليق عليها، وبخصوص الأسرة في الإسلام نشر مقالات كثيرة في الميراث والنكاح والطلاق وأم الوليد والوصية، وكلها كانت في سنة 1914م.

وجاء بعده «إروين كريف» (Grof Erwin  1976 - 1914) ، وهذا المستشرق كان اهتمامه بالفقه الإسلامي بصفة عامة، فله بحوث عن الأسرة المسلمة، نذكر منها البحث الذي أصدره بعنوان: «النظرة الجديدة إلى الأسرة المسلمة في التشريع الإيراني الحديث الخاص بالزواج والطلاق والميراث » وهذا البحث نشره عام 1966م. وفي سنة 1967م أصدر بحثاً آخر تحدث فيه عن تنظيم النسل وتحديده من منظور الشريعة الإسلامية، سمّاه: «موقف الشريعة الإسلامية من تنظيم النسل وتحديد النسل».

ومنهم المستشرق الفرنسي «ليون برشي» Bercher Lion) ، 1889 - 1955م)، الذي ترجم كتاب (الرسالة) لابن أبي زيد القيرواني، وعلق عليها باللغة الفرنسية، وكان تركيزه على أحكام الأسرة وأحوالها.
والمستشرق الهولندي « تيودور يونبول » ( 1866 - 1948م )، الذي حصل على شهادة الدكتوراه في قسم الاستشراق برسالتين أحدهما بعنوان: «الارتباط التاريخي بين المهر في الإسلام، وبين الطابع القانوني للزواج في الجاهلية».

هؤلاء المستشرقون ودراساتهم هي نموذج لجهد بحثي كبير، قام به المستشرقون لسبر أغوار العالم الإسلامي خاصة قضايا المرأة والأسرة، وكانت هذه الدراسات هي الأساس المعرفي لممارسات الساسة والقادة في الغرب.

اللورد كرومر
وكان من أهم الشخصيات التي تأثرت بآراء ودراسات المستشرقين عن الإسلام هو اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر، بل إن كرومر نفسه يعتبر أحد المستشرقين وله دراسة عن مصر ضمنها آراؤه عن الإسلام تحت عنوان: "مصر الحديثة".
لذلك نجد أن اللورد كرومر تبنى دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة وعمل على دعم هذه الدعوة وتجنيد العديد من الرموز الثقافية المصرية لنشرها، ففي عام 1884 " أي بعد الاحتلال البريطاني بعام واحد  نشر كتاب لمحام مصري موال لكرومر والنفوذ الأجنبي يدعى: "مرقص فهمي" تحت عنوان: "المرأة في الشرق" صور فيها خطة الاستعمار في المطالبة بتحقيق أربعة أغراض: أولا: القضاء على الحجاب الإسلامي.

ثانيا: إباحة الاختلاط للمرأة المسلمة بالأجانب عنها.
ثالثا: تقييد الطلاق ووجوب وقوعه أمام القاضي.
رابعا: منع الزواج بأكثر من واحدة.
خامسا: إباحة الزواج بين المسلمات وغير المسلمين.

وكان هذا المخطط هو النواة الأساسية للنفوذ الأجنبي الذى يمكن على ضوئه فهم حركة قاسم أمين وهدى شعراوي. ذلك أنه لم تمض خمس سنوات حتى ظهر كتاب "تحرير المرأة" وقد تبناه الاحتلال وعمل على نشره.

أدوار أخرى
لم يقتصر تأثير المستشرقين على تشكيل القاعدة المفاهيمية للساسة في الغرب عن العالم الإسلامي، بل إنهم حلوا أساتذة مدرسين في جامعات العالم الإسلامي، وعلى أيديهم تربت أجيال من النساء والرجال، وسار في فلكهم كثير من الكتاب والباحثين العرب المحدثين في مطلع هذا القرن. وأصبح لهم تلاميذ من جلدتنا يتبنون آراءهم ويدافعون عنها.

هذا بالإضافة إلى أنهم لقنوا أجيالاً كثيرة من الطلبة الوافدين على الجامعات الغربية، وهذا كان له أثر بليغ في ترويج الشبه ونشر أيديولوجيا (أفكار) الاستعمار الحديث، خاصة أن الدولة الوطنية الحديثة في بداية تكونها أعطت الأسبقية في التوظيف لحملة الشهادات الغربية، فتمركزوا في المناصب العليا، وعُهد إليهم تقرير مصير الثقافة في  هذه الدول، فصبغت حياة تلك الدول بالصبغة الغربية، وتبنوا دعوة تحرير المرأة، وطالبوا بضرورة خروج المرأة من بيتها. ومن أشهر النماذج لهؤلاء رفاعة رافع الطهطاوي الذي تولى نظارة مدرسة الحربية، و طه حسين الذي أصبح فيما بعد وزيرا للتربية والتعليم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:
- الأسرة المسلمة في معركة القيم ، د. محمد خروبات، مجلة البيان العدد194.
- كتاب "رجال اختلف فيهم الرأي، من أرسطو إلى لويس عوض"، أنور الجندي، نسخة إلكترونية.
- موسوعة ويكيبيديا.

JoomShaper