أسماء زكي
اهتمام المرأة بزينتها، وحرصها أن تبدو دائما جميلة، مسألة فطرية نابعة من طبيعتها الأنثوية، تبدأ بواكير هذا الاهتمام منذ الطفولة، فتميل الفتيات إلى التزين وألعاب التجميل، وتزيين دميتها، ويستمر معها هذا الاهتمام في مراحل البلوغ والكبر، والإسلام لا يحرم أو ينكر على المرأة هذا الأمر، فهو دين الفطرة الذي تتوافق تعاليمه مع الفطر السوية، وإنما فقط هو يضبط هذه الطبيعة الأنثوية ويوجهها وجهتها الصحيحة. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: "الزينة حلال للمرأة، تلبية لفطرتها، والزينة تختلف من عصر لعصر، لكن أساسها في الفطرة واحد، هو الرغبة في تحصيل الجمال أو استكماله، وتجليته للرجال. والإسلام لا يقاوم هذه الرغبة الفطرية؛ ولكنه ينظمها ويضبطها".

زينة المرأة في منهج الإسلام
وكعادة الإسلام في تعاطيه مع الرغبات الفطرية لا يكبتها أو يمنعها، بل يهذبها حتى لا تخرج عن إطارها الصحيح، وتكون عامل هدم وخطر على المجتمع، بدلا من أن تكون عامل بناء؛ لذلك حرص الإسلام على تشجيع المرأة على التزين لزوجها، كما وجه الرجل للتزين لزوجته، لكن زينة المرأة يجب أن تكون للزوج فقط، يطلع منها على ما لا يطلع أحدٌ سواه.

لكن زينة المرأة تختلف عن زينة الرجل، فيباح للمرأة في الزينة ما لا يباح للرجل، مراعاة لطبيعة المرأة المفطورة على حب التزين، يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: "إن الإسلام يلاحظ هذه الرغبات الطبيعية البريئة ملاحظة دقيقة، فيقدر أن للمرأة في بعض الأحيان رغبات في المتاع والزينة غير رغبات الرجل، ويبيح لها أحيانا ما يحرمه عليه، مراعاة لفطرتها الأنثوية في التزين والتجمل. يبيح لها خاتم الذهب، ولباس الحرير، على حين ينهي الرجل عن هذا التطري، ويعده بالقياس إليه ترفا مؤذيا".

كما يجوز للمحارم  الاطلاع على بعض مظاهر زينة المرأة،  ممن لا يثير شهواتهم. كما يجوز أن تتزين المرأة أمام النساء لأنه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف الشهوة والوقوع في الفتنة؛ لوجود المجانسة، لأن المرأة لا تشتهي المرأة، كما لا يشتهي الرجل الرجل، ولأن الضرورة داعية إلى الانكشاف فيما بينهن. لأن عورة المرأة أمام المرأة من السرة إلى الركبة.

وليس معنى إباحة الإسلام للزينة وحثه عليها في بعض الأوقات أنه ترك الحبل فيه على الغارب، بل حدها بحدود فمنع المرأة من لباس الشهرة، ومن التشبه بالرجال في لباسهم وهيئتهم. ونهاها عن التعطر خارج المنزل، أو التبرج أمام الرجال الأجانب عنها؛ لأنها تخرج بذلك عن دور تلبية الرغبة الفطرية للمرأة، إلى دور الاستثارة الحيوانية، وهذا هو الفرق بين الإسلام والمناهج الأرضية خاصة في عصرنا الحديث.

الحضارة الغربية واستغلال المرأة:
فالحضارة الغربية استغلت فطرة المرأة في حب التزين أبشع استغلال، وحولتها إلى صورة حيوانية، وأفقدت المرأة صورتها الإنسانية حتى ظهر ما يسمى بالنموذج الأنثوي المعولم، عن طريق تسويق نموذج للجسد الأنثوي ، والذي يتسم بالنحافة، وتم الترويج لنموذج العروسة (باربي) من أجل أن يسود في العالم باعتبار النموذج المثالي للجسد الأنثوي، وراجت الصناعات التي تتناسب مع هذا الجسد المعولم، وتم استغلال هذه الجسد المعولم من قبل الــشركات العابرات للقوميات، ومن بينها شركات إنتاج مــواد التجميل وزبائنها من النســـاء بالمـلاييـن, ولا بـد من تقــديم كـل الإغراءات للنسـاء كمـستهلكات، فيجـري رســم صــورة للأنثــى المغريـة, الأنثــى الأبدية ذات الفتنـــة الخــالدة الــتي لا تصيبهـا الشيخوخة أبداً، ويظل سحـرها الجنســي فعــالاً، طالمـا استخدمت أدوات المكياج التــي تتنافــــــس الشركات فيما بينهــا لإنتاجهـا وتسـويقها. يصــبح جســــد المرأة إذن سلعـة مــن السلـع، ويفقــد مواصفاته الإنســــانية، ويدخـل في النمــط التجــاري الاستهلاكي ما دام عنصــر جــذب لترويج البضــائع.  بل إن الاحتكارات الإعـلامية الكبـرى تخصــص قنوات تلفزيونية للمتاجرة في أجســاد النســاء، بالإعلان عن أسعــار بائعات الهــوى والجنــس وتليفوناتهــن، وتقديم صــورهن عاريات فــــــي أوضـاع جنســية صريحــة.

لقد حولت الحضارة الغربية  جسد المرأة، مستغلة حب المرأة الفطري للتزين، وأن تبدو جميلة إلى وحدة اقتصادية تعمل على تعظيم الربح وجلب المزيد من الفائدة، نازعة بذلك القداسة عن جسد المرأة، من خلال تحييد المضمون الأخلاقي لوظيفة المرأة، فهناك وظائف كانت مشينة وهامشية أصبحت مقبولة، بل مرغوبة، ومن ثم أصبحت المرأة تُعرف في كثير من الأحيان والمجالات من خلال حدود الجسد وما يوفره من امتيازات. وتحولت المــرأة (جسدها) إلى سلـــعة مربحـة وجـذابة في السـوق، وفي ظلها تزدهـر أســواق الدعارة والمخـدرات، وتنتشــــــر روائـح الفســاد في كل الأرجـاء, ومـــن المؤســف أن يتم التعامل مع المــرأة بطريـــقة مهينــة وكديكور إعلامي وتجاري للإثارة وشحــن الشـهوات.

هذا هو الفارق بين المنهج الرباني الذي يحافظ على المرأة ويصونها ويجعلها ملكة متوجة في أسرتها فيقوى المجتمع، وبين المناهج الوضعية التي تمتهن المرأة وتجعلها سلعة تباع وتشترى.

JoomShaper