تنشط الحركات النسوية في دول العالم للقضاء على الشكل التقليدي للأسرة، وتستخدم في ذلك شتى الوسائل والإمكانات الإعلامية والاقتصادية والسياسية، وتمارس في هذا السبيل ضغوطا كبيرة على الدول والمنظمات والمجتمعات تحت مبررات ودعاوى حقوق المرأة، وأحد الوسائل لتحقيق هذا الهدف ما تنادي بها هذه الحركات من ضرورة السماح بما يسمى "تأجير الرحم أو إتاحة الأم البديلة " وتقنين هذا السلوك.

ونادت الوثائق الدولية الصادرة عن مؤتمرات الأمم المتحدة المتعلقة بالمرأة، بحق المرأة في التحكم في جسدها، ومن ضمنها حقها في إجارة الرحم، وقد وردت صراحة في بنود بكين +5 (بند 79) وأباحت الوثيقة جميع أشكاله.

أسماء مختلفة والمعنى واحد:

ويطلق على تأجير الرحم أسماء مختلفة، وإن كان المعنى واحد منها: الحاضنة، والرحم المستأجرة، والأم بالوكالة والبطن المستأجرة، والرحم الظئر، والمضيفة، والأم الكاذبة، وشتل الجنين، والأم المستأجرة، والرحم المستعار، والأم بالإنابة. أما الأم البديلة والرحم المستأجر فهي الأكثر شيوعا، والرحم المستأجر أطلق من باب التغليب؛ لأن الأغلب في مثل هذه العمليات أن تكون بعـِوض.

التعريف:

ويعرف تأجير الرحم باستخدام رحم امرأة أخرى لحمل لقيحة، مكونة من نطفة رجل وبويضة امرأة، وغالبا ما يكونان زوجين، وتحمل الجنين وتضعه، وبعد ذلك يتولى الزوجان رعاية المولود ويكون ولدا قانونيا لهما.

نشأته:

بدأت تقنية إجارة الأرحام في عالم الحيوان، والتي استعملت بهدف زيادة إنتاج الحيوانات ذات صفات ممتازة، فيؤخذ عدد من البويضات من أنثى حيوان ذات الصفات الممتازة، وتخصب مختبريا ثم تزرع الأجنة في أرحام عدد من الحيوانات الأخرى العادية، وكان الأطباء البيطريون يستأجرون أرحام تلك الأبقار العادية لتنمية الأجنة المحسنة داخلها.

ومن ثم انتشرت عمليات الرحم المستأجر بين البشر في أوروبا وأمريكا في ثمانينيات القرن الماضي، حتى أصبحت لها شركات ووكالات خاصة للترويج لتأجير الأرحام والمساعدة في إبرام تلك العقود، ويمكن ملاحظة الانتشار الواسع لتلك الوكالات عند تصفح شبكة الإنترنت، حتى بدأت تلك الأفكار تغزو الشرق وخاصة الهند، حيث تستغل النساء في عمليات الرحم المستأجر، وذلك لرخص الأجرة المدفوعة إذا ما قورنت بالدول الغربية.

وتشير الإحصاءات إلى وجود أكثر من 15 مركزا في الولايات المتحدة وحدها خاص باستئجار الأرحام، والعدد في تزايد ويصل معدل الأجرة إلى 17 ألف دولار، وقد أنتجت الوكالات مئات المواليد بهذه الطريقة، وهكذا تصبح أرحام الفقيرات في أمريكا وأنحاء العالم الثالث بضاعة للبيع والإيجار، يستغلها الأثرياء والأغنياء، ويريدون الحصول بذلك على أبناء دون عناء وما يتبعها من مشاق وآلام.

الحكم الشرعي:

لا تجوز إجارة الأرحام مطلقا، فلا فرق بين أن تكون صاحبة الرحم البديل زوجة أخرى للرجل صاحب الحيوان المنوي أم لا . وذهب إلى هذا القول جماهير العلماء المعاصرين، حيث صدر قرار مجمع البحوث الإسلامية بمصر، وقرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، بعدم الجواز. بل نقل بعض العلماء الإجماع على تحريمه، مثل: الدكتور: عارف علي عارف، والدكتور: صبري عبد الرؤوف أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، واستدلوا بعدة أدلة منها:

1- قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {23/5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {23/6} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)سورة المؤمنون.

وجه  الدلالة: أن الله - تعالى- أمر بحفظ الفروج إلا على الأزواج وملك اليمين، ونقل البويضة الملقحة إلى امرأة أخرى من متعلقات الجماع فكأنه اتصل بغير زوجته.

2- قول الله  - تعالى- (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً)سورة النحل72.

ووجه  الدلالة: أن الله - سبحانه - قد بين أنه جعل الزوجة من جنس الزوج، ثم أوضح أن الولد إنما يكون من الزوج والزوجة، فنص القرآن يبين أن الولد يكون من زوجة شاركت في إعداده، وصاحبة الرحم المستأجرة ليست كذلك.

3- أن استئجار الأرحام يترتب عليه مفاسد كثيرة منها:

أ- قد يؤدي إلى اختلاط الأنساب، إذا كانت المستأجرة متزوجة، وإن لم تكن متزوجة فلن تسلم من الاتهام وسوء الظن بها.

ب- ما يحصل من منازعات وتفكك للأسرة بين الأم صاحبة البويضة، وصاحبة الرحم، والإسلام قد حرم كل ما يؤدي إلى النزاع والخلاف.

ج- أنه يفسد معنى الأمومة الحقيقية التي فطرها الله عليها، إذ غاية ما هنالك إقرار بويضة بدون عناء ولا مشقة، بينما التي حملتها عانت آلام الحمل وتغذى بغذائها حتى غدا بضعة منها.

د-0فتح هذا الباب يؤدي إلى أن تسلكه كل امرأة ثرية، أرادت أن تحافظ على صحتها ورشاقة بدنها، بل قد تنجب في السنة عدداً كبيراً من الأولاد ويتحول الإنجاب بهذه الطريقة إلى مفاخرة ومتاجرة.

4- عدم قابلية الرحم للبذل والإباحة، فهو ليس محلاً للبيع ولا للهبة ولا للإجارة ونحو ذلك.

وأخيرا:

إن ممارسة إجارة الأرحام، يفقد المرأة كرامتها وتصير كالدابة المستأجرة للاستخدام حسب الطلب، ولتصبح التجارة في بدنها باستئجار رحمها تحقيرا وامتهانا لعفتها واستغلالا لأنوثتها وتحجيما لدورها كأم. لقد نظرت الوثيقة للمرأة على أنها جسد بلا روح؛ فأفقدتها إنسانيتها، ولم تعترف بأن لها روحًا أصلاً أو أن لها احتياجات روحية، وادعت أنها تمنحها حقا من حقوق الإنسان التي منحها الشرع الحنيف إياها مسبقًا بما يواكب فطرتها، فقد ألغت الوثيقة الحقوق الفطرية للمرأة كحقها في العفة، وحقها لحماية عرضها، وحقها في الفضيلة، وحقها لحفظ نسلها، واستبدلت كل هذه الحقوق بالاتجار في العرض وجعلته حقًّا إنسانيًّا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

-استئجار الرحم: حقيقته، دوافعه، حكمه ، نايف بن عمار آل وقيان ، نسخة الكترونية.

- المشاكل القانونية والشرعية لعقود إجارة الأرحام، دكتور عقيل فاضل الدهان ورائد صيوان المالكي، بحث منشور على الانترنت.

- الأسرة المسلمة بين الاتفاقات الدولية والمقاصد العليا للشريعة، د. رشا عمر الدسوقي، مجلة المسلم المعاصر، العدد 131.

JoomShaper