وسام حمود
عندما تصل المرأة إلى قرار الخلع، رغم وجود أطفال ترتبط بهم، ارتباطاً لا يعرف معناه إلا من أنجبت، هذا مؤشر إلى معاناة كبيرة لم يعد لها طاقة عليها، ودليل على أنها كائن لم يعد له القدرة على احتمال حياة لا يعرف تفاصيلها سوى من يعيشها، وسبيلها الوحيد للعيش كغيرها هو إنهاء العلاقة الزوجية، هذا الكلام ليس تحفيزاً أو دعوة لطلب الخلع أو الطلاق وليس تشجيعاً له، لأننا بكل الأحوال لا نستطيع نكران أن مقولة (ظل رجل ولا ظل حيطة) حقيقة راسخة في كثير من الأحيان، ووجود الرجل في حياة المرأة شيء أساسي لا غنى عنه، رغم تأفف الطرفين من ظروف الحياة، وصعوبة التفاهم، ولكننا في ذات الوقت لا نقدر أن نضع أنفسنا في مكان غيرنا، فلكل تجربته، ولكل معاناته.
قضية الخلع لم تعد قضية صعبة كما كان شائعاً في الماضي، بل أصبحت حلاً للكثير من الأزمات الداخلية النفسية التي تعاني منها الكثير من النساء، بل أصبحت قضية يشار إليها عبر الكثير من الوسائل الإعلامية المتاحة، فمثلاً السينما المصرية تطرقت للموضوع من خلال فيلم (أريد خلعاً) الذي سلط الضوء على تجربة نسائية عاملة ترفض طلب زوجها لترك العمل، فتفضل الانفصال عنه، ولكن في النهاية دعوة الترابط الأسري والتسامح والحب انتصرت وكانت دعوة للكثيرات إلى التأني في فصل حياة عن أخرى.. ولكن رغم ذلك تبقى هناك تجارب قاسية تفرض قرار الانفصال ويكون الخلع هو الحل.
كرهت حياتي وخفت الانتحار، فكان الخلع أفضل كي أعيش.
تزوجته دون معرفة سابقة، ولكن الكلام الجيد بحقه، كان حافزاً للموافقة على الاقتران به، بحكم ثقافته العالية، وكرمه الكبير، ونبله العظيم الذي سمعت عنه، هذا ما روته صميم عودة، التي خلعت زوجها بعد تجربة زواج استمرت فقط خمسة أشهر، صميم تزوجت على سفر من رجل أعمال عربي في هولندا وكانت مقتنعة بقرارها، لتفاجأ بأنه رجل يعاني من أزمة ثقة في النساء، فكان قفصها الذهبي عبارة عن سجن حقيقي، ممنوع مغادرة المنزل من دونه، لا تسوق، لا طبيب، ولاءات كثيرة جعلتها تعاني من ضغط نفسي كبير، وخاصة عندما يزورهم أحد الأصدقاء يراقب كل حركة منه ومنها، وبعد مغادرته يبدأ بكيل اتهامات لا صحة ولا وجود لها، كأن يقول لها «لماذا نظرت إليه وأنت تقدمين القهوة، لماذا لبست هذا الثوب أمامه، لماذا جلست في مواجهته»، ووصل به الأمر إلى حد تسجيل كل مكالماتها الهاتفية، ومراقبة إيميلها الشخصي، ومراقبتها بطريقة جنونية، ناهيك عن الضرب الذي تتعرض له في حال نفت كل اتهاماته وناقشته بها، صميم طلبت الطلاق والثمن ضربة قاسية على الرأس أدت إلى دخولها المشفى والتعرض لأسئلة الشرطة، فاضطرت لنفي أي اتهام، متحججة بالوقوع على الأرض كي لا تدخل في مشاكل كبيرة، ناهيك عن ضغوط أكبر من أن يعبر عنها على الورق، الحل الوحيد أمام صميم العودة إلى الوطن تاركة وراءها تجربة شهور مريرة، شعرت وكأنها سنوات طوال، حزمت أمتعتها خلال غيابه عن المنزل وأخذت جواز سفرها ممضية ليلة في أحد الفنادق إلى أن يحين موعد إقلاع طائرتها، لتعود إلى أهلها حاملة في حقيبة سفرها غصة كبيرة، وألماً مميتاً، صميم تؤكد أنها لو وجدت مجالاً للحفاظ على بيتها وزوجها لكانت صبرت، ولكن لم يكن هناك أي مجال لأي صبر، لأنها في لحظة من اللحظات كانت تفكر بالانتحار خلاصاً من عذابها وهي في الغربة، صميم تقدمت إلى المحكمة وتنازلت عن جميع حقوقها الزوجية، وخلعته غيابياً، لتعود من جديد الإشراقة التي انطفأت في عيونها، وتعتبر أن تجربتها قوّت من عزيمتها، فهي عادت إلى وطنها لمتابعة دراساتها الجامعية التي هجرتها بسبب زواجها.
للقانون رأي: المخالعة هي اتفاق الزوجين على إنهاء الحياة الزوجية مقابل مال تفتدي الزوجة به نفسها فهي عقد رضائي لا يتم إلا بتبادل الإيجاب والقبول بين طرفيه ومجرد الاتفاق على إجرائه لا ينتج عنه شيء من آثاره الشرعية بحيث يجوز لكل من الطرفين الرجوع عن إيجابه في المخالعة قبل قبول الطرف الآخر به على أن تقترن المخالعة بحسب اجتهاد الهيئة العامة لمحكمة النقض بدفع بدل الخلع، هذا ما شرحته المحامية الاستاذة غنى بديوي مؤكدة أن المخالعة عبارة عن «إزالة ملك النكاح مقابل المال» فالبدل شرط من شروط صحة المخالعة، وقد نص قانون الأحوال الشخصية السوري في المادة /97/ منه على أن كل ما صح التزامه شرعاً صح أن يكون بدلاً من الخلع وبدل الخلع لا يتعلق بالمهر فيجوز أن يكون أقل أو أكثر منه وفقاً لما يتفق عليه الطرفان، فإذا اتفق وصرح المتخالعان على نفي البدل كانت المخالعة في حكم الطلاق الرجعي، أما إذا لم يصرحا بنفي البدل وإنما سكتا عنه، كأن يقول الزوج لزوجته: خالعتك من عصمتي وعقد نكاحي، فقالت: قبلت، وقعت المخالعة ويبرأ كل منهما من حقوق الآخر بالمهر والنفقة الزوجية، وتصح المخالعة على غير المهر ويلزم كل من الطرفين بأداء ما التزم به وتبرأ ذمة المتخالعين من كل حق بالمهر والنفقة الزوجية كما لا يحق للمرأة أن تطالب بما استحق لها من نفقة ولو لم يذكر ذلك صراحة في عقد المخالعة، وتضيف غنى: إن الإبراء من الحقوق الزوجية لا يشمل الأعيان الجهازية لأنها حق مستقل وحق الزوجة فيها حق عيني كما أن نفقة العدة وإن كانت تعتبر جزءاً من النفقة الزوجية إلا أنها لا تسقط إلا إذا نُصّ عليها صراحة في عقد المخالعة، وإذا اشترط الزوج في المخالعة إمساك المحضون عنده مدة الحضانة صحت المخالعة وبطل الشرط وكان لحاضنته الشرعية أخذه منه ويلزم أبوه بنفقته وأجرة حضانته وكذلك منع المشرع إجراء التقاص بين نفقة الولد المستحقة على أبيه ودين الأب على الحاضنة لأن النفقة من الحقوق الممتازة ولأسباب إنسانية تتعلق بمصلحة المحضون وهذا ما أكده الاجتهاد فنص على أن: [لا يسقط دين نفقة الولد بدين المخالعة على المرأة. أما عن الأسباب التي يوافق فيها القانون على خلع المرأة لزوجها فتقول المحامية غنى: إن المخالعة هي اتفاق الرجل والمرأة على الطلاق فيشترط فيها ما يشترط في الطلاق من أركان وشروط كأن يكون الزوج أهلاً لإيقاع الطلاق والمرأة محلاً له، وقد استقر رأي الهيئة العامة لمحكمة النقض على أن مسائل الطلاق من حقوق اللـه وتتعلق بالنظام العام وعلى القاضي أن يحكم بالطلاق إن رآه واقعاً، وإن لم يتبع هذا النهج كان حكمه مخالفاً للأصول، وعليه فالمخالعة حق للزوجة منحتها إياه الشريعة الإسلامية قبل أن يمنحها إياه القانون حيث روي عن رسول اللـه (ص) أن امرأة ثابت بن قيس أتت للنبي فقالت: يا رسول اللـه، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم، فقال عليه الصلاة والسلام: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة».
جريدة الوطن السورية