* أروى طارق التل
وضعت الثورات العربية العالم عامة والغربي خاصة على كف الدهشة، وآن له ان يرفع قدمه عن أمة داس عليها كثيرا، لأنها ارتفعت بقامتها طويلا ورمت بأذنابه في بحر الثورة الهادر. وحتى لا ترمي الثورات العربية العالم الغربي في نفس بحر ثورتها، كان لا بد من أن تدخل الثورة العربية برمزية ما أحد سجلات الغرب تسامحا مع العرب تارة، ونظرة ثاقبة لمستقبل قريب معها، وتثبيتا لقدم التدخل بعناصرها الشابة.
وكان الاختيار ذكيا وموفقا، فمن بين أفقر دول العالم العربي، ومن بين أضعف فئة فيها وهي النساء، ومن قلب المجتمع اليمني تم اختيار ناشطة حقوقية اجتماعية ساهمت بفاعلية حقيقية قبل أن يتحرك الناس في ثورة بلادها وكانت على رأس القائمة، فانتصرت دولة الهامش على دول في المركز، وانتصرت امرأة فقيرة في التبعية الغربية على نساء وسيدات اوائل دُسْنَ على ثقافتهن وهويتهن لاكتساب ألقاب وجوائز؟!
هنا لم تدخل توكل كرمان التاريخ وحدها، بل ادخلت معها حكاية طويلة من العلاقلات الشائكة بين الشرق والغرب. بين التبعية المطلقة لمنهج حياة وقيم ولغة قيلت لغة للعلم، وبين الصمود القادم بثورة ينطق فيها الحجر، بين قهر المحجبات ومنعهن في أحسن تقدير من العمل وفي اسوأه من دخول بوابة مدرسة، وبين مكافأتهن، وتناقل الناس الخبر بين منفعل مقبل على الجائزة وبين متخوف منغلق منها.
والجائزة بكل المعايير جائزة، فها هو مهرجان الجزيرة الوثائقي يعلن منذ ست أعوام عن جائزته فيتهافت الناس عليها من مشارق أندونسيا وروسيا الى مغارب لندن وواشنطن مرورا بشمس إفريقيا الحارقة، لأن شبكة الجزيرة أثبتت قيمتها الإعتبارية في العالم فكان العالم يرجو رضاها بتقييمها له ولإنتاجه.
وجائزة نوبل أثبتت وجودها منذ مئة عام، وأصبحت لها رمزيتها، وتهافت الناس كل الناس عليها بشتى أطيافهم وألوانهم سواء بسواء عليها قبل أن تُسيس، لمَّا كان الدفع قادما إليها من خزينة مؤسِسِها، وبعد ان أفلست خزينته وأصبح الدفع من جيوب هيئات دولية وتشكك الناس بها، بقيت لها قيمتها الإعتبارية أيضا، بنفس القدر الذي دخلت فيه عالم من الشكوك!!
وأنت كما أنك لا تأخذ جائزة لأن خصمك يحبك لكن لأنك قد أدهشته ولم يكن له منفذ الا من الاعتراف بك، فإن خصمك أيضا لن يمنحك الجائزة لأنك تستحقها بشكلها الكامل، فهو إن لم يكن قد أخذ منك شيئا بعد فهو يريد أن يأخذ، ويستعد لك لأنه في نهاية المطاف ويستعد لمصلحته ونشر فلسفته ليبقى السائد الحضاري.
وتوكل كرمان المرأة القبليِّة اليمنية العربية المسلمة المحجبة، والتي لعل الجائزة في جزء منها كانت رداً لاعتبار تمت إهانته ملياً، وتكريمًا إلهيا لرمز الحجاب الذي تم استفزازه في أغلب شوارع الغرب وملاحقته وطرده وتعنيفه دون أدنى شعور بمنح حرية شخصية في الملبس أو المأكل او المشرب لمن يعرف ديمقراطية الغرب.
لن تغفر لها نساء اليمن المنقبات إن شعرن أنهن يحاربن من قبل الشانزلزيه وغيره من قبلها ولا كل امرأة عزيزة النفس فقيرة التبعية للغرب أن رمت بالإسقاطات الغربية على أرض اليمن في مسألة تحرر المرأة دون أن تَخْلِق نظرية عربية سديدة الهدف، عميقة التأثير، عادلة المطالب، حسنة النشأة.
وتوكل كرمان الزوجة الثانية لزوج يتغنى بها أشعارا ويُعرِّف نفسه بها مازحا، ويتركها في الخيمة لتلبي حاجاتها الروحية الثائرة بإسقاط الظلم ونظامه، لن تغفر لها الثورة أن عاثت في السياسة فساداً تحت رعاية مفكرين عرباً أو عجماً أتباعاً للغرب وعصاه، أو حتى استنادا الى ذكائها الفطري الثوري.
فذكاؤها على سبيل المثال لا الحصر الذي دفعها إلى قول إن الثورة لن تنسحب الى البيوت الا بعد أن تبنى دولة المؤسسات المدنية من داخل الساحات، هو ذاته خانها عندما لم تعترف للثورة المصرية والتونسية بأنها السلم الذي صعدت عليه الثورة اليمنية درجات ودرجات، بل وعمدت الى تسخيفهما دون قصد.
وتصريحها بشكر أوباما وكلينتون على تهنئتهما لها بما فيه من جمال الثائرة المخلصة، أتْبَعتْ بعض جمله بديباجة إيمانها بأمريكا الراعية للديمقراطية وحقوق الإنسان وما شابه!! وتصريحات توكل المختلفة في مواقع متعددة رغم طيبتها وتواضعها وثوريتها وعنادها الثوري تشي بلا شك بضعفها السياسي وعدم حنكتها.
وحتى تبقى توكل لربيع ثورتنا العربية رمزاً لا يعود التاريخ الثوري ليسقطه من حساباته مشككاً بمدى استقامته الثورية وعدالة مبتغاه.
لذلك علينا أن نكون مع توكل لا ضدها، وأن تكون توكل بجانبنا لا أمامنا،.حتى لا نعيد صناعة الديكتاتور، فليس كل ما تقوله توكل سيكون صحيحا، وليس كل ما تفعله توكل سيكون سديدا. فننجح بإيجاد اجوائنا ورؤانا وصناعة نظرياتنا التحررية والتقدمية من أجمل ما في قيم العرب وحضارة الإسلام ، لا من ابشع ما فيها من انحراف فكري وهمجية مقيتة وسط العدالة المشروعة . لنَخْلِق أجواءنا فيما بعد الثورة بدلا من أن تُخْلق لنا على جناح نوبل تارة أخرى، ولكن باسم المرأة المحجبة هذه المرة!!
حتى لا نعيد صناعة الديكتاتورعلى جناح نوبل
- التفاصيل