لها أون لاين
قبل أيام كانت ذكرى اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، وكما هي العادة نشط التغريبيون من عقال؛ ليتوزعوا على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد، ويعيدوا على مسامع الناس الأسطوانة المشروخة ذاتها، و بنفس النغمات الممجوجة التي تتهم المسلمين ـ قاصدة الإسلام من طرف خفي ـ بقهر المرأة وظلمها وحرمانها وتقييد حريتها، حتى إذا تهيأت النفوس أدلفوا مسرعين إلى غرضهم الحقيقي؛ فيشنون الحملة المسعورة المعتادة على قيم الإسلام ذاته، كالقوامة والحياء والعفة والاحتشام والمواريث، داعين بغير خجل، إلى التخلص من تلك الثقافات، والأخذ بثقافة العصر كي تحصل المرأة على مكانتها ودورها اللائق في الحياة، بدلا من دعوة المجتمع للتحصن بقيم الإسلام التي تكفل حقوق المرأة وتصون كرامتها!
ولعل تاريخ الغرب وموقفه المشين من المرأة لازال يضغط على عقول هؤلاء المغربين، ويملؤها بالكثير من الأوهام التي لا أساس لها في حقيقة الحال، حيث يعلم الجميع أن الأوروبيين كانوا حتى مشارف القرن الثامن عشر الميلادي يختلفون في كنائسهم بشأن المرأة، ويقضون في مجامعهم أشواطا طويلة من الجدل، حول ما إذا كانت المرأة إنسانا أم غير إنسان؟ وهل للمرأة روح أم ليس لها روح؟ وإذا كان لها روح! فهل هي روح حيوانية أم روح إنسانية؟ وإذا كانت روحا إنسانيا، فهل هي على مستوى روح الرجل أم أدنى منها؟ وبعد فصول عديدة من الصراع الفكري حول هذه القضايا، اتفقوا على أن المرأة من المخلوقات المنحطة، و أنها خالية من الروح الناجية التي تنجيها من جهنم، وأنها خلقت فقط لمتعة الرجل ودوام النسل وتدبير المنزل، ليس أكثر!! وليس لها الحق في أن ترث، أو أن تتكلم إلا بإذن الرجل، كما أن من حق الرجل قتلها وإلقاءها في النهر!!
كانت هذه هي عقلية الغرب ونظرته إلى المرأة حتى وقت قريب، ولولا الفلاسفة الذين تأثر معظمهم بأفكار المسلمين وأخذوا على عاتقهم تبني قضايا المرأة والدعوة لتحريرها، و كان من ثمار ذلك ثورة المرأة الغربية في وجه القهر والظلم الاجتماعي والتمييز البغيض؛ هذا في الوقت الذي كان المسلمون يشيعون في أرجائهم ثقافة الإسلام ومبادئه الراقية مثل قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى"سورة الحجرات، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما النساء شقائق الرجال"رواه أبو داود والترمذي وصححه، وصححه أيضا الألباني فأين من أين؟!!
إن المنصفين من مؤرخي الغرب يقرون أنه لم تتغير نظرتهم تجاه المرأة، إلا بفضل احتكاكهم بالمسلمين الذين عاشوا في الأندلس، حيث يقول المفكر الفرنسي مارسيل بوازار في كتابه "إنسانية الإسلام": (كانت المرأة تتمتع بالاحترام والحرية في ظل الخلافة الأموية بأسبانيا, فقد كانت يومئذ تشارك مشاركة تامة في الحياة الاجتماعية والثقافية, وكان الرجل يتودد لـلسيدة للفوز بالحظوة لديها... إن الشعراء المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر أسبانيا احترام المرأة).
لذا فإننا نقول: حنانيكم أيها التغريبيون! فالمرأة المسلمة لا تحتاج إلى أن تنسلخ من دينها كي تحصل على حقوقها وإنسانيتها وكرامتها؛ والمجتمع عندنا كذلك لا يحتاج لتلك لثقافة الوافدة كي يحترم المرأة ويعرف فضلها؛ لأنه بكل بساطة: هذه ثقافتنا قبل أن تكون ثقافة غيرنا!!
فليست لدى المسلمين مشكلة أبدا على المستوى النظري في الإقرار بحقوق المرأة كاملة وتقدير مكانتها، ولكن المشكلة الحقيقية التي تضرب معظم جوانب حياتنا، والتي لا تقتصر على حقوق المرأة فحسب، هي حالة الفصام التي يعانيها المجتمع المسلم بين المستوى النظري و المستوى العملي التطبيقي؛ و قد كان للتغريبيين ـ الذين يتباكون اليوم ـ دور كبير في خلق هذه الحالة البئيسة في مجتمعاتنا حتى تنكبنا بالفعل عن مبادئ الإسلام وابتعدنا عن توجيهاته والامتثال لتعاليمه، وازدادت الهوة اتساعا بين واقعنا وعقيدتنا، وهذا هو التناقض الأساس الذي نشأ عنه كل التناقضات الأخرى في واقع الحياة.
إن المسلمين لا تعوزهم قيم الغرب؛ لأن الغرب نفسه تعوزه القيم، وفاقد الشيء لا يعطيه، فالقيم عند الغرب تتحدد بمقدار ما يحصل عليه الفرد من المنفعة واللذة والمتعة بغض النظر عن مفهوم الحلال والحرام أو الخطأ والصواب، والعلمانية التي يعتنقها الغرب تعني باختصار"الدنيوية" بمعنى: العيش في الدنيا من أجل الدنيا، ولا شأن للحياة بدين ولا قيم ولا آخرة ولا حساب! تماما كما يقول الدهريون: إن هي إلا أرحام تدفع، وقبور تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر، وما نحن بمبعوثين!!
لذا فإننا نعتقد أن الغرب، بل والعالم كله في أشد الحاجة إلى اكتشاف الجوانب العظيمة في ثقافة المسلمين الراشدة، وهدايتهم الربانية المتوازنة، وقيمهم الرفيعة الراقية، من خلال الوحي الخاتم والمنهج الصالح لكل زمان ومكان والمصلح كل زمان ومكان.
إن ما يعوز المسلمين فقط هو أن يستجمعوا إرادتهم بصدق في أن يجعلوا منهج الإسلام ـ بفهمه الصحيح ـ واقعا معاشا في حياتهم؛ ليكونوا صورة طبق الأصل من تعاليم دينهم، وليضربوا للعالم كله قدوة حسنة في معاملتهم، وليعودوا كما امتدحهم الله سبحانه" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" سورة آل عمران.
ثقافتنا ردت إلينا
- التفاصيل