الکاتب : مرتضى المطهري الترجمة: عبدالرحمن العلوي
أخذت تتبلور في العالم الغربي ومنذ القرن السابع عشر حركة باسم "حقوق الإنسان"، إلى جانب الحركتين العلمية والفسفية. وانبرى الكتّاب والمفكرون في القرنين السابع عشر والثامن عشر إلى عرض أفكارهم في الأوساط الإجتماعية حول الحقوق الطبيعية والفطرية للإنسان والتي لا يمكن أن تُسلب منه...
والمبدأ الأساس الذي اعتمدته هذه الطائفة هو انّ الإنسان يمتلك سلسلة من الحقوق والحريات بشكل فطري وبايعاز الخلقة والطبيعة، ولا يمكن لأي فرد أو جماعة انتزاع هذه الحقوق بأيّة طريقة وتحت أي اسم كان، بل لا يجوز حتى لصاحب الحق نفسه أن يتنازل عنها طواعيةً لغيره ويتجرد منها. كما أنّ الجميع: الحاكم والمحكوم، والأبيض والأسود، والغني والفقير، متساوون في هذه الحقوق...
ودارت كافة الحركات الإجتماعية الغربية منذ القرن السابع عشر وإلى يومنا هذا حول محورين أساسيين هما: "الحرِّية" و"المساواة". ولم يثشر على صعيد المرأة سوى إلى الحرية والمساواة أيضاً نظراً لأن حركة حقوق المرأة في الغرب قد جاءت في اعقاب سائر الحركات، فضلاً عن أن تاريخ حقوق المرأة هناك كان أكثر مأساوية من الرجل على صعيد الحرِّية والمساواة.
وكان رواد هذه الحركة على إعتقاد بأنّ حرِّية المرأة ومساواتها للرجل في الحقوق، عملية مكملة لحركة حقوق الإنسان التي رُفع شعارها في القرن السابع عشر. واكدوا على خواء التحدث عن الحرِّية وحقوق الإنسان بدون تحقيق حرِّية المرأة ومساواتها مع الرجل. كما عبروا عن إعتقادهم بأن كافة مشكلات الأسرة، ناجمة عن عدم حرِّية المرأة وعدم تساوي حقوقها مع حقوق الرجل، وانّ هذه المشاكل ستحل دفعة واحدة حين حصول المرأة على هذين العنصرين.
وقد نُسي في هذه الحركة تماماً ما ندعوه "القضية الأساسية في نظام حقوق الأسرة"، أي هل أن هذا النظام، مستقل بالطبع وهل لديه منطق ومعيار غير منطق ومعيار سائر المؤسسات الإجتماعية؟ فلم يلفت الإهتمام ولم يستقطب الانظار سوى تعميم مبدأ الحرِّية ومبدأ المساواة بين المرجل والرجل. بتعبير آخر: لم يُثر في مجال حقوق المرأة سوى موضوع "الحقوق الطبيعة والفطرية غير القابلة للإنتزاع" فقط. فكانت كل الأحاديث تدور حول محور هذا الموضوع وانّ المرأة شريكة للرجل في الإنسانية وانها إنسان بمعنى الكلمة، ولابدّ لها أن تتمتع كالرجل بالحقوق الفطرية غير القابلة للإستلاب...
وتؤلف الطبيعة نفسها أساس الحقوق الطبيعية والفطرية للفرد. أي إذا كان الإنسان يتمتع بحقوق خاصة لا يتمتع بها الحصان، والخروف، والدجاجة والسمكة، فجذور ذلك تضرب في أعماق الطبيعة والخلقة. وإذا تساوى الناس في الحقوق الطبيعية ولابدّ لهم جميعاً من العيش بحرِّية، انّما هو أمر صادر في متن الخلقة، وليس هناك أي دليل آخر عليه. كما ليس لدى انصار المساواة والحرِّية – كحقين فطريين للإنسان – أي دليل غير هذا. كما لا يوجد دليل غير دليل الطبيعة أيضاً على صعيد القضية الأساسية في نظام الأسرة.
وعلينا أن نرى لماذا لم يوجه الإهتمام إلى القضية التي اسميناها القضية الأساسية في نظام حقوق الأسرة. فهل اتضح في ظل العلم الحديث انّ الإختلاف بين الرجل والمرأة إختلاف عضوي بسيط، ولا تأثير له على أساس التركيبة الجسمية والروحية لكلا الجنسين والحقوق التي تتعلق بكل منهما، والمسؤوليات التي لابدّ لكل منهما أن يحملها على عاتقه، ولهذا لم يحظ باهتمام الفلسفات الإجتماعية المعاصرة؟
والحقيقة انّ القضية بالعكس تماماً. فقد أصبح الإختلاف بين الجنسين أكثر وضوحاً وإستدلالاً من ذي قبل بفضل الإكتشافات الجديدة والتطور العلمي على صعيد الحياة والنفس.
وربما يرجع عدم الإهتمام، إلى الصورة العجولة التي نشأت فيها هذه الحركة. ولهذا فهي وفي الوقت الذي وقفت فيه بوجه بعض المآسي التي كانت تعاني منها المرأة، خلقت لها وللمجتمع الإنساني أنواعاً جديدة من المآسي والشقاء...
لم تلتفت هذه الحركة إلى وجود قضايا أخرى غير المساواة والحرِّية. فالمساواة والحرِّية شرطان لازمان لا شرطان كافيان؛ وتساوي الحقوق شيء، وتشابه الحقوق شيء آخر؛ والمساواة بين حقوق الرجل والمرأة من حيث القيم المادية والمعنوية شيء، والتشابه شيء آخر. وقد استخدمت هذه الحركة عن عمد أو سهو "المساواة" بدلاً من "التشابه" ولم تميز بينهما، وسلطت الأضواء على "الكمية" وعتمت على "النوعية"، كما أدى التأكيد على "إنسانية" المرأة إلى نسيان "أنوثتها".
والحقيقة هي أنّ هذه اللامبالاة لا يمكن عدها غفلة فلسفية ناجمة عن الإستعجال فقط، بل كانت هناك عوامل أخرى أريد من خلالها الإنتفاع من "الحرِّية" و"تساوي" المرأة.
وتُعد مطامع الرأسماليين أحد هذه العوامل. فهؤلاء ومن أجل انتزاع المرأة من البيت إلى المصنع والإستفادة من قوتها الإقتصادية، اخذوا يرفعون شعار حقوق المرأة، وإستقلالها الإقتصادي، وتساويها في الحقوق مع الرجل. وهؤلاء هم الذين استطاعوا أن يضفوا على هذه المطالبات الصبغة القانونية.
المصدر: كتاب الحرِّية عند الشهيد المطهري
حقوق المرأة تشابه أم مساواة؟
- التفاصيل