محمد رجب البيومي
قرأنا كثيرا عن ” عالم المرأة ” وعلمنا أنباء مؤتمرها العالمي في المكسيك ، إذ دعيت الوفود المختلفة إلى مناقشة القضايا ، وأوفدت أكثر الدول من يمثلها في هذا المهرجان العالمي ، ونشرت الصحف أشياء عن المقترحات والقرارات ، وعقدت الندوات النسائية للنظر في المكاسب الجديدة وكل ذلك لا شأن له بما نتحدث عنه الآن ، فليس بدعا أن نعقد المؤتمرات وأن تتخذ القرارات ، وأن تتعدد الندوات ، وتتسع الصحف للصور ووصف الحفلات فكل ذلك دائم متصل لا يكاد تفرغ أسبابه حتى تختلق من جديد .
إنما البدع كل البدع ، أن ينتهز المغرضون هذا الموسم ليكتبوا في بعض الصحف السيارة في المجتمعات الإسلامية أن المرأة قد انتصرت على أعدائها ، وأن يكون العدو المهزوم في رأيهم هو رجل الدين ، أصحيح أن رجل الدين كان عدو المرأة .
يحاول أن يسحبها في الظلام ، وأن يفسر النصوص الدينية على نحو يجعلها أسيرة تباع وتشترى دون حرية وأمان ، كما حاول هؤلاء السفهاء أن يلبسوا الحق بالباطل ليفتروا على الله الكذب وهم متعمدون ؟
وهل صحيح أن صديق المرأة هو صاحب الجريدة التي تنشر الصور الإباحية ، ومؤلف القصة التي تمتهن حواء فتجعلها آثمة خائنة ، ومبدع الفيلم السينمائي الذي يعرض أساليب السقوط والانحدار دون حياء ! .
لقد انقلبت الأوضاع حتى لنردد في أسف شديد قول شاعر مصر الأستاذ الأسمر رحمه الله في مثل هذه المفارقات :
بتنا لما جد من عكس الأمور هنا نمشي على الرأس لا نمشي على القدم
ولن نلجأ إلى أقيسة منطقية تشغل الفكر أو نستعين بصور خيالية تزيف الحق ، ولكننا سنعرض الواقع الصريح شاخصا يلمس باليد ، ويرى بالعين ، ليعرف من أراد أن يعرف من عدو المرأة الخصيم ؟ ومن صديقها الحميم ، وليرى كيف عكست الأمور عكساً يدعو إلى الحسرة حين ارتدى الآثم ثوب البريء وحين سيقت التهم إلى الشرفاء الذين صدقوا الله وعده ، فصانوا حق المرأة ودافعوا عن شرفها ثم اتهمهم المغرضون بالعداوة والبغضاء !.
لقد نشأنا وشاهدنا البغاء الرسمي معترفا به في بعض الدول الإسلامية ، ومرت عليه سنون عدة حتى كاد يصبح أمرا طبيعيا لا غرابة فيه لدى من يتظاهرون بصداقة المرأة ويصدرون عنها القصص والروايات ، ويعرضون مفاتنها المغرية في الصحف والمجلات ، ويتشدقون كاذبين أن حضارة العصر ومدنيته مما يفعل البغاء أمرا مقبولا لا اعتراض عليه ، وأن أرقى الدول الأوروبية في الغرب لا تقف في سبيله لتوافر أسبابه الداعية إليه ، أما امتهان المرأة وسقوطها وانحدارها فشيء لا يلفت النظر ، وهو لا ينافي في مذهبهم تحرر المرأة وارتفاعها ، وهم بعد – أصدقاؤها الأوفياء ، وحراسها الأمناء من بطش الرجعية والرجعيين ! .
ولكن عدو المرأة هو رجل الدين قد قام وحده يكافح البغاء ، ويشرح مخازيه الوبيئة ويقيم الندوات ، ويعقد المحاضرات ويكتب المقالات ويقود المظاهرات ليعلن كلمة الله في الزنا الإباحي والفسق القانوني ، ثم بعد ذلك ينظر ليسمع ويرى ما يندى له الجبين ! .
فهذا كاتب من الأنصار المزعومين له دوي وبريق ، يكتب متهكما برجل الدين صائحا به : أنت محدود الشعور والإدراك والتصور أنت تعيش في عهود الظلمات ، فالدول المتحضرة لا ترى ما تراه ، لأن خطواتها الواسعة في دنيا التمدن قد جعلت من البغاء أمرا ضروريا لا خزية فيه وهذا كاتب آخر من الأصدقاء يصيح بالشيخ أبي العيون رحمه الله ! يا شيخ أنت صغير ، لم تقرأ علم الإجتماع ولم تدرس علم النفس ولم تتبطن أسباب الرذائل ، ولو عرفت ذلك لوجدت البغاء أمرا طبيعيا ! القضية أكبر منك يا شيخ ! أنت صغير صغير !! .
وهذا ثالث من الأنصار يحرض ” الداخلية ” على هذا الذي يعقد الندوات ويقود المظاهرات باعتباره خطرا على الأمن ، إذ لا أمن في رأيه بدون بغاء ،وإن إلغاءه سيزيد الجريمة ويدفع بالأمة إلى السقوط كل ذلك والهيئات النسائية ترحب بأنصارها ، وتتهكم بأمثال أبي العيون ! .
ثم انتصر رجل الدين وألغيت بيوت الدعارة إلى غير رجعة ! ولم تكن هناك مشكلات يفطن إليها دارسو علوم النفس والجريمة والإجتماع ويغفل عنها رجل الدين ! من كان الصغير ومن كان الكبير يا قوم ؟ ومن عدو المرأة ؟ ومن صديقها الحميم ؟ .
وتكثر حوادث الاختلاط ، ويفوح نتن التبذل فيقف رجل الدين داعيا إلى التصوّن والعفاف منددا بما يزكم أنفه من نتن كريه ، وكان على الهيئات النسائية التي تعددت جمعياتها لتأخذ الصور فحسب ،ـ ولتملأ أعمدة الصحف دون جهد ، ولتردد أسماء المجاهدات في غير ميدان ، كان على هذه الهيئات أن تؤيد رجل الدين ، ولكنها اتخذته عدوها الحاقد ، وخصيمها الماكر فهي لا تطيق أن تسمع اسمه فضلا عن أن تقرأ مقالاته ، أما الذي يحظى بحب هذه الهيئات ويعتبر صديق الكفاح ورفيق الدرب فهو واحد من هؤلاء .
قصاص يكتب رواية اجتماعية ، وتكون بطلتها زوجة خائنة تخدع رجلها البريء ، وتقدم المثل السيء لبناتها الصغار ، ولئن صح أن هناك من تسقط فلن يصح أن تنشر روايات الخيانة هذا الانتشار المزعج وأن نجد الازواج ، كل الازواج ، ثم لا نجد أكثر قراؤها إلا من السيدات وأعضاء الهيئات النسائية على الخصوص ، ولم نسمع مرة واحدة أن إحداهن قد اعترضت على رواية تصور الإفك ، أو مشهد يمثل السقوط !
2- إذاعي يحتضن مسلسلة وقحة تكون بطلتها أداة من أدوات التأثير على الرجل بما تبذل من شرفها وطهارتها ، فهي مرة ذات إغراء لكسب مادي تجاري ، وهي مرة ثانية أداة عصابة مجرمة ذات لون سياسي وأعجب ما سمعته في ذلك تمثيلية ساقطة تدعي أنها تكشف أساليب الصهيونية ، وأداة الكشف الوحيدة امرأة عربية جامعية تتصل بضابط إسرائيلي يمتهن شرفها وطهارتها ، لتحصل على سر زائف مما يراه المؤلف الغبي أداة كسب ! والقيادات النسائية تقرأ وتسمع وتشاهد دون أن تظن إحداهن أن تمثيل هذه الفضائح ما يهوي بكل كرامة لحواء ، والأعجب الأغرب ما يصير مؤلف القصة ومذيعها وممثلها من أصدقاء المرأة الخلصاء ! أما العدو الحاقد فرجل الدين الذي يأمر بالمعروف وينهى عن الفحشاء .
3-كاتب صحفي ، يتحدث عن الأزياء والعطور والندوات ، ويعترض على فلانة أنها احتجبت عن المجتمع شهرا ، ويفسر علاقة فلانة بفلان أو يتكهن بطلاق فلانة من فلان ، وكل ذلك يكتب تحت عنوان خادع مثل ” أسرار المجتمع ” ” حديث السهرة ” ” من محيط حواء ” ” والأغرب الأعجب أن تسعى جاهدة لتنشر خبرا عنها أو تقدم صور لحفلتها ، أو تكيد غيرها مما تنشر من الشخصيات اللامعة في هذا المجال عنها من تخرصات ! ورجل الدين يرى ذلك مدعاة سقوط مسف فينهض لمحاربته لا غير فيتضايق منه هؤلاء ويرونه داعيا إلى التخلف والجمود ,
على أني أواجه القيادات النسائية ومن يقوم على تحريكها من الرجال بأسئلة حاسمة توضح الفراغ الجذيب الذي يشمل أًصدقاء المرأة حين تمضي السنوات وراء السنوات دون أن تحل مشكلات المرأة على وجه يثبت فاعلية هذه القيادات ، ويوضح لأصحابها رسالة غير الندوات والصور والحفلات ! لقد أصبحت المرأة الآن ذات وظيفة وكسب وأخذت تدبر مع الرجل شئون المنزل وتعالج مشكلاته ، فنشأت أزمات كثيرة تدور حول المتطلبات المالية ، أيتكفل الرجل بأكثرها أم تساعده الزوجة ؟ واتفق الطرفان على اسهام الزوجة بالمال فهل تدخر لها شيئا خاصا بها ، وهل لها الحق في إمداد أبيها أو أخيها الصغير ببعض ما يستلزمه الموقف إن احتاجا إلى إمداد ؟ اسئلة كانت مدار نزاع كبير أدى إلى الطلاق في كثير من الأحيان ، فهل عملت القيادات النسائية ومن يحركها من الرجال على مناقشة هذا الموضوع ودعت إلى قواعد تلتزم كيلا يحدث من الرجال ما حدث وهل قاموا بمناقشة هذا الموضوع ودعت إلى قواعد تلتزم كيلا يحدث الشقاق ؟ أو أن هذا الأمر لا يعنيها في شيء إذ لا يخطر لها على بال ؟ !
لقد اضطرت المرأة العاملة إلى مغادرة المنزل في بعض المجتمعات الإسلامية فهل بحثت القيادات النسائية عن حل عملي لرعاية الصغار من الأطفال ، وهل أسهمت جديا في إدارة منازل الحضانة وتهيئتها لحفظ راحة الأطفال ؟ وهل تبنت أحد المشروعات النافعة في هذا الصدد ليكون نموذجا يحتذى في سائر الجهات !
أثبتت التحرية أن المرأة العاملة تتطلب إجازات كثيرة لأمور تتعلق بكيانها الجسمي والنفسي فهل درست القايادات هذه الناحية ، واقترحت من الأمور ما يساير رغبة العاملة ولا يعوق العمل في ذاته فتساعد المسؤولين على التغلب على الصعاب .
تلك أمور جوهرية تعترض المرأة في الصميم ، وتتطلب من القيادات المنصدرة أن تكون ذات جد واهتمام ! ولكن ذلك وأمثاله لا يجد مجالا للدراسة فتعد له اللجان وتبحث المقترحات إنما الشأن كل الشأن في تصدر الأندية وإقامة الحفلات ودعوة المصورين والمصورات ! ثم في التحرش برجل الدين وعدّه مصدر خطر لا يطاق !
منذ أخذت أقرأ الصحف وأطالع الأخبار والقيادات النسائية التي اتبعت نهج الغرب وإن تبدلت أسماؤها وتغيرت ذواتها لا تنى تتصايح بالدعوة إلى منع تعدد الزوجات وإلى وجوب أن يكون الطلاق أمام القاضي دون أن ينفرد به الزوج ! وطبيعي أن يكثر الأخذ والرد حول هذين المطليين حتى يستبين الرأي ، وقد استبان . ولكن من غير الطبيعي أن يقوم عالم الدين بإيضاح كلمة الدين بالتي هي أحسن فيكون عدو المرأة ، وخصيمها اللدود مهما ناقش بالحجة وجادل بالدليل .
والأمر في المطلبين أوضح من أن يكون مجال النزاع في مدى متطاول يصل إلى نصف قرن فمنع التعدد إذا تم . سيحرم الزوجة الثانية ليبيح الخليلة والخليلات كما هو مشاهد في المجتمع الأوروبي ! فليت شعري أي الوضعين أشرف للمرأة ؟ أن تكون زوجة يعترف بها الناس أو خليلة تزدرى وتمتهن وتمضغ في الأفواه ! لقد ترتب على اصطناع الخليلات أن توجد في أوروبا مشكلة الأبناء غير الشرعيين ، وأن ينهض الرحماء من المصلحين هناك ليقولوا أن الابن غير الشرعي بريء لا ذنب له ، فيجب أن يتساوى مع الابن المعترف به شرعا ، وأن يضربوا الامثلة برجال كهتلر وبيرون وليونارد دفينشي جاءوا من غير طريق مشروع فلم يمنعهم ذلك من التفوق والظهور ! أفيريد أصحاب المنبع – فوق ارتكاب جريمة الزنا أن نفرق بين أبناء الرجل الواحد لنهبط بفريق ونرتفع بفريق ثم ليورث البغضاء بين الأقوياء ! وإذا فرضنا أن الخليلة قد فقدت كرامتها فما ذنب الأطفال ؟ وإن للتعدد أسبابا منطقية كثيرة يعرفها الدارسون وقد يتناولها رجل الدين فيما كتب عن الأسرة من مؤلفات ! وهو لذلك عدو مبين .
أما وقوع الطلاق أمام القاضي فيغني عنه أن تلتزم بأمر الله عز وجل قال في كتابه الكريم : ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ” 23 النساء فالآية تدعو إلى تحكيم عاقلين من ذوي الانصاف يمثل أحدهما الزوج فيستعرضان بواعث النزاع ويعملان على رأب الصدع ، فإذا استطاع أن يجتمعا الشمل ، فذلك فضل الله ، وإن تعذر الوفاق فقد أبيح الطلاق ، وما يقوم به الحكمان هو ما يرجوه الداعون والداعيات إلى جعل الطلاق أمام القاضي مصحوبا بالتوجيه وفي ظل من الستر والتصون ، ولو كان كل نزاع بين الزوجين يتحتم عرضه للقضاء ، لامتلأت أوراق المحاكم بالمخازي وسجلت الأٍسرار والأقوال مختومة ومحفوظة تؤلم ولا تسر ، وتغضب ولا ترضي ! وهذا ما يتحاشاه رجل الدين وهو بحرصه البالغ ووعظه البصير ودعوته إلى تنفيذ الشريعة عدو – أي عدو أما الآخرون فنعم الأصدقاء !!!
المرأة وعالم الدين
- التفاصيل