إعداد : لانا أرسلان
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال : (من هذه؟) قالت : فلانة – تذكر من صلاتها – قال صلى الله عليه وسلم : (مه. عليكم بما تطيقون فوالله لا يملّ الله حتى تملّوا) وكان أحب الدّين إليه ما دام عليه صاحبه.
* التخريج : رواه الإمام البخاري في كتاب الإيمان ، باب أحب الدين إلى الله أدومه، ورواه كذلك في كتاب التهجد، باب مايكره من التشديد في العبادة.
* شرح الحديث الشريف:
ذكر الإمام البخاري هذا الحديث الشريف في كتاب الإيمان، لأن الإيمان يطلق على الأعمال، فالمراد بالدين هنا العمل وأن إسلام المرء يحسن بالأعمال الصالحة.
واختلف العلماء فبعضهم قال إن المرأة كانت عند عائشة رضي الله عنها فلما قامت لتخرج مرّت به صلى الله عليه وسلم أثناء ذهابها فسأل عنها، وهذه الرواية ذكرها الإمام البخاري في كتاب التهجد وإنها ذكرت الحديث بعد أن خرجت المرأة. وقال بعضهم إن عائشة رضي الله عنها أمنت عليها الفتنة لذلك مدحتها في وجهها.
* تذكر من صلاتها : أي يذكرون أن صلاتها كثيرة، وقيل كانت تصلي فلا تنام الليل.
* (مه) : معناه اكفف، وقيل أصل الكلمة (ما هذا) ، فطرحوا بعض اللفظة فقالوا (مه) فصيّروا الكلمتين كلمة. وهذا الزجر يحتمل أن يكون لعائشة رضي الله عنها لنهيها عن مدح المرأة بما ذكرت، ويحتمل أن يكون النهي عن ذلك الفعل كراهية الوقوع في الفتور والملل على فاعله فينقطع عن عبادة التزمها فتكون رجوعاً عمّا بذله لربه سبحانه وتعالى من نفسه.
* (عليكم بما تطيقون) : المخاطب النساء وهو عام للذكور والإناث، وهذا يقتضي الاقتصار على ما يطاق من العبادة، والنهي عن تكلف مالا يطاق .
* (فوالله) : فيه جواز الحلف من غير استحلاف، وقد يستحب إذا كان في تفخيم أمر من أمور الدين أو الحث عليه أو التنفير من محذور.
* (لا يمل الله حتى تملّوا) : والملال استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته وهو محال على الله تعالى باتفاق، وهذا إنما كان من جهة المقابلة اللفظية مجازاً كما قال الله تعالى : (وجزاء سيئة سيئة مثلها) الشورى / 40 . قال الإمام القرطبي : وجه مجازه أنه سبحانه وتعالى لما كان يقطع ثوابه عمن يقطع العمل ملالاً من باب تسمية الشيء باسم سببه ، قال الإمام النووي: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله تعالى بخلاف الكثير الشاق ، حتى ينمو القليل الدائم فيزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة.
* وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه : قيل هذا من كلام عائشة رضي الله عنها ومعنى ذلك كان أحب الدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومعناه كان أحب الدين إلى الله تعالى.
وليس هناك خلاف لأن ما كان أحب إلى الله تعالى كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبوبكر بن العربي : معنى المحبة من الله تعالى تعلق الإرادة بالثواب أي أكثر الأعمال ثواباً أدومها.
* دروس وعبر : -
* فضل أمهات المؤمنين على الأمة في نقل الدين والعلم، وكذلك المرأة المسلمة تستطيع أن تشارك الرجل في إحياء الأمة وبنائها داخل بيتها وخارجه.
* لا نحكم على الناس بظاهر أعمالهم، فالعبرة بموافقة هذه الأعمال للحق المتمثل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
* العبادات غير الفرائض إذا أدت إلى الفتور والملل قد تصبح مكروهة، لأن للنفس حقًّا في المباحات من الأكل والشرب والراحة ولها الأجر والثواب إذا نوى الإنسان بذلك التقوى على العمل الصالح وعبادة الله تعالى.
* إن للقلوب إقبالاً وإدباراً فليغتنم المسلم ساعة إقبالها بالطاعات والقربات والنوافل من صلاة وذكر وصيام وصدقة. وفي حالة إدبارها يلتزم المسلم بالفرائض ويحافظ عليها ولا يتنازل عنها.
* القليل الدائم خير من الكثير المنقطع ولا ننسى وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنه : (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل) رواه البخاري.
* المراجع :
فتح الباري بشرح صحيح البخاري/ المجلد الأول والثالث.
نزهة المتقين شرح رياض الصالحين.
سباق نحو الجنان ، الأستاذ خالد أبوشادي.
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم للنساء
- التفاصيل