بسام حسن المسلماني
مضى عام على انطلاقة الشرارة الأولى للثورة السورية، وهي الشرارة التي انطلقت بعفوية وتلقائية دون تخطيط أو إعداد مسبق، لكنها صادفت قلوبا مكلومة، وأنفسا تأبى المهانة، وبدأت هذه الشرارة مع الوقت تتسع حتى أصبحت كالطوفان الهادر يقتلع نظام الظلم والطغيان.
كان للمرأة خلال هذا العام دور محوري ورئيس في دعم الثورة، فالمرآة هي الأم التي تدفع أبناءها وفلذات أكبادها للخروج والتظاهر والوقوف في وجه الطغيان.
وهناك عشرات الأسماء من النساء السوريات اللاتي جددن سيرة الخنساء أم الشهداء، من أمثال والدة الشهيد "مصعب الشيخ" في حي باب عمرو، فهي عندما سمعت بخبر استشهاد زوجها صلت لله ركعتين شكراً، ثم  قالت لأولادها الخمسة: أريدكم أن تخرجوا وتقتلوا في سبيل الله ... ثم يأتيها الخبر باستشهاد ابنها فتصلي ركعتين شكرا لله تعالى، وعندما هددوها بقتل بقية أولادها  لم تهتز، وأخذت تدعو عليهم بحرقة أن يزيلهم الله من سماء الشام. ومن أمثالهن: الحاجة "رشيدة الياسين" زوجة الشهيد: الحاج محمود البويضاني، ووالدة الشهيد: عبد الوكيل البويضاني و جدة الشهيد: خالد البويضاني، وخالة الشهيد: أبو هشام البويضاني، و أم الناشط: عبد الحميد البويضاني، ومن أمثالهن خنساء كفر الطون، وهي أم لأربعة شهداء: أحمد الأسعد، ورضوان الأسعد، ومحمد الأسعد، وفراس الأسعد. ومن أمثالهن: أم أحمد هواش الحريري التي كانت تردد وتقول عند مقتل ابنها: "هي لله يا ابني هي لله". وغيرهن كثير لا يعلمهم الناس، ولكن ما يضيرهن عدم علم الناس بهن، إذا كان رب الناس يعلم صبرهن وثباتهن.
والمرأة هي الزوجة التي تودع زوجها عند باب البيت أثناء خروجه للتظاهر،  وهي تدرك أنه ربما لن يعود، وأن هذا قد يكون الوداع الأخير، لكنها مع هذا تتظاهر بالجلد، حتى لا ينهار الزوج و تشد على يده وتصبره.

كما برز دور المرأة السورية خلال عمليات النزوح الجماعي إلى الأردن، وتركيا، ولبنان، فآلاف المهجرات هن من يتحملن العبء الأكبر من أعباء الحياة في ظل المجتمع الجديد في مخيمات اللاجئين، فرغم صعوبة الحياة وشظف العيش في هذه المخيمات إلا أن المرأة هي الرافعة الحقيقية للأسرة السورية، فهي التي تربي أبناءها على الصبر والتجلد والتكيف مع هذا الواقع الجديد، وتزداد المهمة صعوبة في حال فقدان العائل.
ولم يقتصر دور المرأة على الدعم والمساعدة والوقوف خلف الثوار - على أهمية هذا الدور ـ بل كان لها دور بارز في  فعاليات الثورة منذ اليوم الأول، فقد شاركت النساء في المظاهرات والمسيرات التي تشهدها قرى ومدن سورية بطريقة مميزة من خلال الهتافات، وصناعة الشعارات والخروج إلى الشوارع، في ظل القمع والقتل والبطش الذي يقوم به النظام السوري على يد عصابات وفرق الموت وكتائبه الأمنية والشبيحة التي يرعها النظام وقد رفعت اللافتات التي كتب عليها المرأة تريد تغير النظام ولافتات أخرى كتب عليها "اقتلوني ولكن يرحل".
ولم يكن نصيب النساء أفضل من الرجال، لقد تعرضت النساء في المظاهرات الاحتجاجية لإطلاق الرصاص الحي الذي أردهن قتيلات وجريحات، وبرز دور حرائر سورية في الثورة بشكل واضح خلال مظاهرة بانياس النسائية التي سقط فيها العديد من الشهيدات والجريحات.
وإزاء حالات الصمود والقوة التي ظهرت بها المرأة السورية خلال الثورة، بدأ النظام في الشهور الأخيرة إلى أشد الوسائل إجرامية ودناءة ليفت في عزيمة حرائر سورية، من خلال عمليات الاغتصاب وهتك العرض التي تكررت في أكثر من منطقة.

وهذه قصة من مئات القصص التي تتعرض لها المرأة السورية، والقصة تداولنها عدد من مواقع الانترنت لامرأة من الشام عفيفة منتقبة تبلغ من العمر خمسين سنة، قضت صباها في حفظ القرآن، وأكملت كهولتها في تحفيظه، وشغلها القرآن عن الثورة والسياسة وأحداثها، فكان القرآن مؤنسها والمثبت لها طيلة الأشهر الماضية، حتى اختطفها النظام النصيري قبل أيام، وعصبوا عينيها، وأوثقوا يديها، وجردوها من جميع ملابسها، ورموا بها في غرفة مملوءة بنساء مثلها، صالحات عفيفات قد جردن من ملابسهن بالكامل، يزدن على عشرين امرأة، منهن شابات في العشرين والثلاثين، ومنهن كهلات في الأربعين والخمسين، وكانت الواحدة منهن تقاد مكرهة إلى غرفة الضباط والجنود ليفحصوا جسدها فيختارها أحدهم فيخلو بها، وهكذا دواليك حتى جاء دور صاحبتنا فلم يرغب أحد منهم فيها لكبر سنها، فعصبوا عينيها وحملوها عارية ورموها في العراء، فمر بها رجل وفك وثاقها وخلع ثيابه فسترها بها، وهي منذ هذه الحادثة تبكي بكاء مراً على ما نالها وأخواتها من الإهانة، وتتمنى الموت السريع ليطفئ الموت ما في قلبها من لوعة.
لكن حتى هذه الدناءة لم تفت في عضد السوريات، بل قد زادت من عزمهن وإصرارهن على مواصلة ثورتهن حتى النصر أو الشهادة،  فقد أصدرت حرائر سورية بيانا أعلنت فيه عزمهن على مواصلة ثورتهن رغم ما يتعرضن له. مؤكدات أن خيارهن هو حمل السلاح للدفاع عن الأعراض والأطفال.
المرأة السورية هي عزة سوريا، وهي الوقود الحقيقي للثورة، فهي صانعة الأبطال الشجعان، وهي الزوجة والأم والشهيدة والفدائية والمناضلة، ولن تضيع تضحيات المرأة السورية سدى، فلسوف تنتصر الثورة بإذن الله تعالى مهما طال الظلم، ففي تاريخ العالم لم ينتصر حاكم على شعبه الثائر مهما كان طغيان هذا الحاكم وجبروته "وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ"سورة يوسف.

JoomShaper