علي محمد الغريب
أحب أن أعرف رأيك في هذه القصة الواقعية ونستنتج منها ـ أنا وأنت ـ الدلالات والعبر المفيدة، لا سيما أنها من قصص الحراك الثقافي الحاصل في مصر حاليا، ومن بين المفردات الثقافية التي تحدث بشكل متواتر في الواقع الثقافي المصري!
تبدأ القصة حين اعتلت الشاعرة الشابة منصة إلقاء الشعر وهي محجبة للمرة الأولى، وسط دهشة البعض وإكبار البعض الآخر بحجابها الكامل، وزيها المحتشم، وهو غير ما كانت تبدو عليه قبل هذا اليوم؛ إذ لم تكن تفكر بالحجاب، وكانت تراه خطوة من غير المحتمل أن تقدم عليها مهما كانت الأسباب!
ما التغير الذي حدث يا ترى؟
بدأت الشاعرة الشابة حديثها قائلة: لا أظن أنني فعلت غير ما تمليه عليّ حريتي وإرادتي، فكما كنت أرى حريتي بلا حجاب، أراها الآن حرية كاملة بالحجاب! وأضافت: أريد أن أشكر (الأستاذ) الذي طالما سخر من الحجاب، والذي طالما لوح بين الجد والهزل ـ كما يفعل دائما ـ بأننا سنوصم بالسلفية والرجعية والمباشرة إذا لامست كتابتنا أو قصائدنا أية قيمة أو خلق، ولا أخفيكم أنني كانت تتنازعني فكرة التجريب في الكتابة عما يسمونه الكتابة الأخلاقية أو الكتابة المحافظة، خروجا على الشكل الذي يحافظ عليه الأستاذ، الذي يتهم مخالفيه بفقر الخيال، والكثير من الأوصاف التي تأتي على أنها أحكام باتت غير قابلة للنقض!

وتقول: ظللت فترة طويلة حريصة على ألا أتعثر في مساري الإبداعي، وقد كانت تزعجني هذه القسوة التي يتعامل بها (الأستاذ) مع من أسماهم السلفيين، وكان انزعاجي بالدرجة التي لم أحتملها، حين كان يجمع توقيعات الأدباء والكتاب للتصدي ـ كما قال ـ لخطف البلاد من المتأسلمين، وحين مد لي الورقة لأوقع عليها رفضت، وقلت: لا أريد أن أزج بنفسي في السياسة، فبادرني بقوله: أنت سلفية!

تقول الشاعرة الشابة: شعرت بالتضاؤل، لم أتمالك نفسي ووجدتني أقول له: وأنت إرهابي! أين حرية الرأي، لماذا تريد إكراهي على موقف بعينه، وتتهمني بالسلفية إذا لم أتبع رأيك. ومن الذي أعطاك الحق، لتقسيم الناس: هذا سلفي وهذا غير سلفي؟

وتقول: بعدما عدت إلى منزلي، رحت أتأمل هذا الموقف ومواقف كثيرة مشابهة حدثت مع زملاء وزميلات غيري، كان هذا الأستاذ يمارس فيها دور الموجه وصاحب القرار وما علينا إلا التنفيذ، وما ذلك إلا لأنه يشرف على صفحة أسبوعية في جريدة معروفة يستطيع من خلالها أن يرفع هذا وأن يخفض ذاك. وشعرت بالخزي من هذا الاستسلام الذي جعلني ضمن كثيرين ندور في فلكه مرغمين، وفي داخلنا رقيب يقيس ما نكتب وما تهمس به أنفسنا على ما يتوافق مع ما يريده هو، وكنا نعتبره القارئ الأول، ونعتبر أنه إذا اجتازت كتابتنا عتبته فقد اجتازت عتبات المجد والشهرة!

وتقول الشاعرة: موقف آخر لنفس الأستاذ جعلني أهرب إلى نفسي، وأهرب إلى ما أريد أنا لا ما يريد هو، وذلك عندما تقدم جماعة من الكتاب الإسلاميين إلى المجلس الأعلى للثقافة مطالبين بضرورة توازن التمثيل الفكري والجغرافي بين أعضاء المجلس، لأجد (الأستاذ) يرعد ويزبد ويحذر من موجات السلفية التي تجتاح الحياة الثقافية كما اجتاحت الحياة السياسية والاجتماعية!

عندها رأيت ألا أكون غير نفسي؛ لأنني سأصطدم به أو بغيره يوما ما، ولأن مجريات الأحداث اليومية تأخذني إلى غير ما يريدون، لأنهم ببساطة لا ينطلقون من قيمة فكرية، يحترمونها، فضلا عن أنهم لا يحترمون أفكار المخالفين، وإنما ينطلقون من موقع المنفعة البحتة التي استفادوها من أمكانهم ويرفضون التخلي عنها، خصوصا أنهم اكتسبوها بتقادم الزمن، لهذا قررت أن أرتدي الحجاب، وأن أكتب ما في نفسي أنا، وليس ما في نفس الأستاذ، وما أشعر أنه يرضيني لا ما يرضي الأستاذ، حتى وإن قال عني سلفية!

ذكرتني هذه الواقعة بقصة مشابهة قديمة، حدثت مع شيخ الأزهر الأسبق الشيخ عبدالحليم محمود رحمه الله حين كان جالسا مع الرئيس السابق جمال عبدالناصر، وكان يرتدي "البدلة العصرية" فقال له عبدالناصر ممازحا: الأزهري تعطيه "وزة" يعطيك فتوى! عندها شعر الشيخ عبد الحليم محمود أنه ربما سمع ذلك من الرئيس لأنه لبس البدلة العصرية، وفرط في سمته، وهو رمز الأزهر، فارتدي من الغد الزي الأزهري الرسمي كرد مباشر وعملي على ما قاله الرئيس.

وربما يكون ما فعلته الشاعرة الشابة ردا عمليا وواقعيا على اتهام أستاذها بأنها سلفية، لمجرد أنها رفضت التوقيع على بيان بدا له أنه أحد الأوامر واجبة التنفيذ في الحال!

موقف الشاعرة الشابة، وموقف شيخ الأزهر ثبت يقيني أنه على الإنسان ألا يكون غير نفسه، لأنه مهما تجمل ومهما حاول إرضاء الآخرين بمحاكاتهم، فإن نفسه وأشواقه لما يريد ستغلبه يوما ما، لا سيما إذا كانت هذه الأشواق هي نداء الفطرة السوية التي ترى الأشياء على حقيقتها دون اعوجاج أو تزييف!

المصدر:لها أون لاين

JoomShaper