الفصل الأول
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
{ كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا أربع : مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على بقية الطعام . }
أحببت أن أبدأ بالحديث عن هؤلاء النسوة الكرام ولوتجاوز ذلك الترتيب الزمني وذلك لفضلهن .
السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها :
{ كلا والله ، لا يـُخزيك الله أبدا ، والله إنك لتصل الرحمَ ، وتصدق الحديثَ ، وتـُكسِبُ المعدومَ ، وتقري الضيفَ ، وتعين على نوائب الحق } كلمات لطالما قرأناها وسمعناها وتعرفنا من خلالها على سيدة نساء الجنة ، السيدة الأولى في العالمين زوجة سيد الخلق والمرسلين . فلماذا حازت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها هذه المنزلة ؟
هل لأنها كانت من سيدات مكة الشريفات ؟
لا ، فهذه هند بنت عتبة لا تقل عنها منزلة في الحسب والنسب والشرف والطهر ، وغيرهما كثيرات من هذا الجانب ! ..
هل لأنها كانت ذات مال وتجارة ؟
لا فالمال عند سادات قريش وسيداتها متوافر بكثرة .
إنها الكلمات التي استقبلت بها زوجها الحبيب محمداً " صلى الله عليه وسلم " عندما عاد من خلوته في غار حراء ، يرتجف ويقول { زملوني ، لقد خشيت على نفسي ..} فقالت : كلا ، والله ، لا يخزيك الله أبدا ...
ووصلت قولها بعمل جهادي تقف فيه وراء زوجها ، تعينه على مشاق الدعوة ، وتواسيه بمالها ونفسها يوم تخلى عنه الناس والأهل ممن لم يؤمن بما جاء به – صلى الله عليه وسلم –
رضي الله عنك يا أم المؤمنين ، وهنأك بما أعدَّ لك في الآخرة : جاء جبريل – عليه السلام – مرة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وقال له : يا محمد ، اقرأ على خديجة السلام من ربها ومني ، وبشِّرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخبٌ فيه ولا نصب . فقالت الله هو السلام ، وعلى جبريل السلام .
وتموت السيدة الغنية الشريفة من سيدات مكة المعروفات ، في شعب بني هاشم في أيام الحصار الأخيرة بعد أن عانت من الجوع الأمر الكثير ، لكنه الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس ، رضي الله عنها .
تروي الأحاديث الشريفة أن السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها – قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – يوما وقد ذكر خديجة - رضي الله عنها – بالخير : لقد أبدلك الله خيرا منها . فقال لها – صلى الله عليه وسلم - : { لم يبدلني الله خيرا منها ، لقد رزقني الله منها الولد ، وكانت تواسيني بمالها } .وهكذا حفظ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لخديجة مكانتها .
آسيا بنت مزاحم { زوجة فرعون }
( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر )
{ وَضَرَبَ الله ُمثلاً للذين آمنوا امْرَأتَ فِـرْعَـوْنَ ، إذ قالتْ : ربِّ ابْـنِ لي عندَكَ بيتاً في الْجَنَّةِ ونجني من فِـرْعَـوْنَ وعملِهِ ونجِّـني منَ القوم الظالمين } ( سورة التحريم الآية 11 ) .
فمن هي هذه المؤمنة ؟ ولمَ قالت هذه الكلمة الخالدة ؟
{ وقالت امرأة فرعون : قرة عين لي ولك ، لا تقتلوه ، عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا .. } ( سورة القصص ، الآية 9 ) . بهذا بدأت قصة هذه المرأة التي كانت تعيش في ظل فرعون المتكبر المتجبر، سيدة في قصره ، أحبها حباً شديداً ، فكان لا يخالفها في رأي ولا يرفض لها طلباً ، وهبها الله الجمال والعقل والحنان ، لكن فرعون لم يرزق منها بالولد .
تلقت ذات يوم هذية لم تكن تحلم بها امرأة في العالم ، لم تكن هذه الهدية عقداً ثمينا ، ولا ثوباً فاخراً ، إنها صندوق خشبي متواضع يقف في حديقة القصر ، فلما فتحته طالعها وجه باسم لطفل بريء ، وهجم جنود فرعون ليقتلوه ، فالطفل غريب والرؤيا التي رآها فرعون – سيكون زوال ملكه على يد مولود يولد في بني إسرائيل – مازالت تفزع فرعون وحاشيته ، فيعمدون إلى غرز سكين الحقد في القلوب الغضة البريئة { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ..}
وهنا استخدمت الزوجة المحرومة من نعمة الولد كل ما تملك من حب زوجها لها ، وصاحت بلهفة الظمآن إذا رأى الماء الزلال : { لا تقتلوه عسى أن ينفعنا ، أو نتخذه ولدا ... }
وتشاء قدرة الله وحكمته أن تألاتلاي أمه لترضعه وتأخذ أجراً على ذلك ، فأين حنكة فرعون وادعاؤه الألوهية ومعرفة الغيب ؟ ! .. إنه الله الذي يمكر للمؤمنين ، ويمكر بالكافرين .
وعندما شب موسى – عليه الصلاة والسلام – وأوحى الله إليه بالرسالة ، آمنت آسيا ودخلت دين التوحيد .وآمنت ماشطة ابنة فرعون ، ووصل الخبر فرعون ، فأمر بقتل الماشطة ، فقالت زوجته : ويلك ! ما أجرأك على الله ! ؟ .. فقال : ألك إله غيري ؟ قالت : ربي وربك الله .
حاول فرعون مع زوجته الحبيبة أن تتراجع عن إيمانها ، فلما رفضت وأصرت على الثبات على دينها ، أمر بها فقُـيِّدت يداه وساقاها بأوتاد من الحديد إلى لوح وعذبت حتى انسلخ لحمها عن عظمها ، فلما شعرت بالموت يدنو منها دعت ربها { .. ربِّ ابن لي عندك بيتا في الجنة ... } فكشف الله عنها الحجب فرأت بيتاً من لؤلؤة فريدة ، فتبسمت ، وكان فرعون حاضراً فقال لجمعه : انظروا لقد جُـنَّتْ تـُعّذَّب وتضحك .وما درى الغبي المنزلة التي حازتها هذه المؤمنة المجاهدة .
وارتفعت الروح الطاهرة الذكية إلى ربها تحمل شكوى المظلومين من أمثالها على مرِّ الدهور ، وتسجل ما يدخره الله – عزَّ وجلَّ – لعباده الذين يجهرون بكلمة الحق لا يخافون لومة لائم .
نسمات ( نساء سورية المجاهدات )
- التفاصيل