د. ديمة طارق طهبوب
كان جدّي بحقّ الجبلَ الذي لا يهزّه ريح؛ فقد نشأ يتيمًا و تحمّل المسؤوليّة مبكرًا لأمٍّ أرملة، و أخت مريضة بالقلب، و عائلة من ستّ بنات و ثلاثة أولاد.
كان جدّي أصلب من حجر الصّوان، و لكنه عند بناته كان أرقّ من النّسيم، و يوم زوّج عمّتي الصّغرى بكى بحرارة، و هو يوصي زوجها بها قبل خروجها من بيته فأبكى من حوله، و بكيت لبكاء جدّي؛ فجدي صلب لا يبكي، و لكنّي كنت أجهل ما معنى أن يزوّج أب عطوف محبّ ابنته، و تخرج من حضنه و بيته إلى بيت رجل غريب لا يدري أأحسن انتقاءه أم لا؟!
غير أنّ الأمر لم ينته بزواج البنات؛ فقد ظلّ يبكي فرحًا لولادة إحداهنّ، و حزنًا إذا أسقطت، و تنفرج أساريره لرؤيتهنّ، و يهتمّ لأمرهنّ و يحزن لحزنهنّ، و لم يختلف الأمر مع جدي ابن القرية، و على غير ما هو معروف من تبرّم الفلاّحين بإنجاب الإناث؛ فقد كان جدّي يعتني ببناته لدرجة أثارت غيرة أولاده، و جعلتهم يصرّحون بالاعتراض على "المغاوزة" مع البنات، بل لقد حرص جدّي على تدريس بناته و لو في بلاد بعيدة ليعطيهنّ سلاحًا في أيديهنّ - كان يقول- إذا جارت عليهنّ الأيّام من أخ قريب أو رجل بعيد، و الحقّ أنّ الرّجلين زرعوا إحسانًا و حصدوا برًّا من بناتهنّ اللّواتي أصبحن بنات لبيتين: بيت الأهل و بيت الحما، فحفظوا فضل البيت الأول عليهن، و شرفوا آباءهنّ بحسن تربيتهنّ وبحسن تعاملهنّ في البيت الثّاني.
لقد أدركت من حال المجتمع لماذا يقولون إنّ "همّ البنات للممات"، و هو ليس تبرّمًا بقدر ما هو وصف حالة قد تكون حقيقة واقعة؛ فلا أحد يكره إنجاب البنات، بل تجد بعض الرّجال يصرّحون أنّ من لم ينجب البنات لم يذق طعم الأبوّة الحقّة؛ فللبنات رونق و حنان و عاطفيّة و غلاوة في نفس الأم و الأب مختلفة تمامًا عن العواطف التي تتولّد بإنجاب الولد، و لوجود البنات في البيت أثر و أُنس و لمْسة و رائحة و حلاوة و نكهة؛ فالبنت رفيقة و عون أمّها، و قرّة عين أبيها، و الله يحنّن القلوب عليها، هذا غير الأجر الثّابت في الإحسان إليها، فليس هناك نفس سويّة تكرههنّ، و لكن مع ذلك كلّه لا يمكن الإنكار أنّ لهنّ همًّا يؤرّق الفكر، و يشغل القلب، و بالذّات في مجتمعنا الذي انكفأ نحو الجاهليّة في معاملة النّساء؛ فالأب و الأهل مهمومون إذا لم تتزوّج البنت؛ لأنّهم يريدون أن يؤمّنوها و يسعدوها بأن يكون لها أسرة قبل موتهم، و قد يظلّون مهمومين بعد زواجها حتى تظهر خميرة الزّوج: ابن حلال أم غير ذلك؟! و يا لتعاسة الأهل إذا كان الزّوج غير ذلك؛ إذ يشعرون أنّ كلّ ما بذلوه لابنتهم من حسن المعاملة هدّها رجل في يوم و ليلة، و هم يحملون الهمّ مع كلّ كلمة قاسية و مشكلة، هذا إذا كانت البنت تصرّح لأهلها، و لا تكبت في نفسها و تراكم في قلبها.

بل قد تعود البنت التي خرجت من بيت أبيها و أهلها معزّزة مكرّمة، جوهرة مرفوعة الرّأس و مجبورة الخاطر، تعود كسيرة تجرّ جروحها و جروح أولادها لإقامة دائمة أو قصيرة، ولا يعود العقل و الإحساس للرّجل الذي أخرج زوجته، وهو الذي كتب على نفسه ميثاقًا ربانيًّا برعايتها. تعود و دموعها على خدّها فلا يملك الأب و الأهل إلاّ أن يكسروا أنفسهم لإصلاح ذات البين، و إذا تعذّر الإصلاح فتح الأب و الأهل بيوتهم و قلوبهم مرّة أخرى، و أوسعوا المكان لابنتهم و أحفادهم، و لسان حالهم المثل الشّعبيّ: "البيت اللّي رباكِ ما هرب و خلاّكِ"، و ليس هذا حال كلّ الأهل، بل قد تسوء الأمور في حال كان الأهل يحرصون على سمعتهم أكثر من حرصهم على ابنتهم، فيبقونها تعيسة في بيت زوجها حتى لا يُقال عنها مطلّقة!! و بعض الأهل لا تسعفهم الحالة المادّيّة أن يقوموا بواجب ابنتهم و أولادها.

و لا يتوقف الهمّ، فحتّى لو كانت البنت سعيدة في زواجها تظلّ المتابعة من الآباء و الأهل الصّالحين حتى تنجب، و تقرّ أعينهم بأولادها، و يستقرّ زواجها و تقوى عُراه، و يتابعون هل تجد ما يكفيها؟ هل علاقتها بأهل زوجها و علاقتهم بها طيّبة؟ و لا يهدأ البال سوى بملاحظة السّعادة و الاطمئنان في حياة البنات مع مرور السّنين.

لا أحد يكره إنجاب البنات و لا أحد يكره أن يفرح ببناته و يزوّجهن، و يرى أحفاده؛ فقد كان رسول الله -صلّى الله عليه و سلّم- يفرح بالحسن و الحسين فرحه بفاطمة، و لكنّه كان أيضًا يهتمّ لأمرها و يصلح و يتوسّط بينها و بين زوجها عند الخصام، و يذهب وراءه إلى المسجد ليصالحه، و كان نعم الوسيط الذي لا يردّ، و نعم الزوج كان سيّدنا عليّ لا يطيل في الخصام و يحفظ الودّ، و نعم الزّوجة الودود العؤود فاطمة الزهراء.

لقد علم سيّدنا محمد أن سيأتي ظَلَمة قساة القلوب لا يعرفون لابنة حواء قدرها و فضلها فقال في الحديث: "إذا وُلدت الجارية بعث الله ملكًا يزفّ البشرى زفًّا يقول: ضعيفة خرجت من ضعيفة. القيِّم عليك مُعان إلى يوم القيامة". و القِوامة هنا ليست قِوامة الإنفاق، و لكنّها قِوامة المشاعر التي تحتاج سعة في الصّدر و كرمًا في الأخلاق جعلت من الفاروق الصّارم يسمع و هو ساكت لصراخ زوجته، و قد أثقلها التّعب، و يتحمّل و يذكر لها فضلها "تطبخ طعامي، وتغسل ثوبي، وتطحن دقيقي، وتربّي أولادي، و تقضي حاجتي". ثم يقول: "أفلا أصبر عليها في بعض أمرها؟".

يستهزئ المجتمع ببعض الأهل الذين يشدّدون على الأخلاق و الكفاءة في انتقاء الأزواج لبناتهم، و يقولون: "فليخلّلها" أبوها (نسبة إلى المخلل) عنده فلن تجد من يتزوّجها!!"، و البقاء في بيت الأهل بعزّة و كرامة خير من أن يجور على المرأة رجل غريب أو قريب استحلّ قلبها و كرامتها و حياتها بعقد لم يقدّر قيمته عند الله الذي جعل من الزواج آية لمن كان له قلب أو ألقى السّمع و هو شهيد.

لقد اشتكت الدكتورة هبة رؤوف عزت في مقال ذات يوم فقالت: "لم يستوصوا بالنساء خيرًا يا رسول الله"!!!

ألا فطوبى لكلّ رجل أبًا كان أو أخًا أو زوجًا عرف كيف يعامل القوارير دون أن يكسرهن؛ فذلك له عند الله خير من البكاء من خشية الله؛ فقد جاء في الأثر "من فرّح أنثى كان كمن بكى من خشية الله".

و يا لخسران من استقوى على امرأة لم تجد وليًّا يقف له فسلّمت أمرها من قبل و من بعد إلى الله، و هو نعم المولى و نعم النّصير.

JoomShaper