أم عبد الرحمن محمد يوسف
وقفنا في المرة السابقة عند أول حلين لمشكلة العنوسة وهما تخفيف المهور ومسارعة الشباب للزواج واليوم بإذن الله نكمل باقي الحلول المقترحة.
ثالثًا: عدم الوقوف أمام سنة التعدد بحجة عدم العدل:
فقد أباح الإسلام ذلك للرجال بضوابطه وشروطه، فقال تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: ٣]. قال ابن سعدي: «أي مَنْ أحب أن يأخذ اثنتين فَلْيفعل، أو ثلاثًا فَلْيفعل، أو أربعًا فَلْيفعل، ولا يزيد عليها؛ لأن الآية سيقت لبيان الامتنان، فلا يجوز الزيادة على غير ما سمى الله - تعالى - إجماعًا»
والإسلام حينما أباح ذلك إنما أباحه لما فيه من المصالح المرعية للرجال والنساء. قال صاحب أضواء البيان: «فالقرآن أباح تعدُّد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة ليكثر عددُها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة الله هي العليا، فهو تشريع حكيم خبير لا يطعن فيه إلا من أعمى الله بصيرته بظلمات الكفر. وتحديد الزوجات بأربع: تحديد من حكيم خبير، وهو أمر وسط بين القلة المفضية إلى تعطل بعض منافع الرجل، وبين الكثرة التي هي مظنة عدم القدرة على القيام بلوازم الزوجية للجميع» [في ظلال القرآن، سيد قطب].

رابعًا: أن لا تجعل الفتيات الدراسة عائقًا لهن عن الزواج:

فإن الزواج بالنسبة للكثير من الفتيات أهم من الدراسة؛ لأن قطار الزواج يفوت بخلاف الدراسة فمجالها واسع، وقد ندمتْ كثير من الفتيات على زمان مضى رفضن فيه الزواج، وقدَّمن الدراسة عليه؛ حتى أن إحداهن صرخت بأعلى صوتها قائلة: «خذوا شهاداتي وكلَّ مراجعي، وأسمِعوني كلمة «ماما»، وتقول إحداهن والبكاء يقطع أحشاءها:

لقد كنتُ أرجو أن يقال: طبيبةً          فقد قيل، مـاذا نالني من مقالها؟

فقل للتي كانت ترى فيَّ قـدوة:           هي اليوم بين الناس يرثى لحالها

خامسًا: العمل على حل أزمة المساكن، وضيق فرص العمل:

وذلك من خلال إيجاد فرص العمل المباحة، وتنمية مهارات وقدرات الشباب، وهذا واجب من واجبات الدول والحكومات، وينبغي للمؤسسات والجمعيات الخيرية أن تساهم في ذلك، وأن تقيم المشاريع الخيرية التي تسهم في زواج الشباب، وتخفف من معاناة الشباب.

سادسًا: أن تقوم وسائل الإعلام بدورها المنشود:

وأن تكون أدواتَ تشجيع للشباب والفتيات على الزواج، لا أن تكون أدوات تخذيل وتثبيط، وأن تعمل على إبراز فضائل التعدد، وقبوله بشروطه الشرعية، وتشجيع الزواج المبكر ما كانت المصلحة فيه، وقلَّتْ أضراره بغلبة الظن، وأن تُحْجِم عن الدعوة إلى الإباحية، ونشر الصور الخليعة [مجلة البيان].

سابعًا: المشروعات الوطنية:

فيجب أن تقوم كل دولة عربية إسلامية تعاني من هذه المشكلة بتأسيس لجنة وطنية ترتبط بها لجان محلية في كل مدينة ومحافظة ومنطقة ريفية، تكون بمثابة أذرع اللجنة الوطنية التي تُفعل تنفيذ هذا المشروع، وأن يكون أعضاء تلك اللجان من القيادات الاجتماعية في مجتمعاتهم رجالا ونساء، ممن لهم تأثير وكلمة مسموعة في مجتمعهم المحلي، وممن عرفوا بالصلاح وحب الخير للمجتمع.

ويهدف المشروع إلى تحريك الآلاف من الرجال والنساء للتطوع من أجل الإسهام في حل أزمة العنوسة، من خلال أهداف واضحة وجداول أعمال ومهام محددة وواضحة ومخطط لها وحاصلة على الموافقة الرسمية.

إن أحد عوامل وجود حالات عنوسة في المجتمع السعودي هو قضية "تكافؤ النسب"، ومن ثم يجب التدخل الواع في محاولة لتغيير مثل هذه الاتجاهات لدى الناس، فإن إنجاح المشروع لعدد من الحالات ـ ولو كانت قليلة ـ سيولِّد ذلك اتجاهًا إيجابيًا عند الشرائح الاجتماعية بتجاهل قضية تكافؤ النسب [الزواج من أجل الحياة، عبد الرحمن الصايغ].

ثامنًا: الخروج في المناسبات الاجتماعية وعدم الانحباس في البيت:

ونحن بالطبع نقصد المناسبات الاجتماعية الخالية من المفاسد والمخالفات الشرعية (فبعض الفتيات لا تخرج لكثير من المناسبات والدعوات التي يجتمع فيها كثير من النساء، كحفلات الزفاف مثلًا، بحجة وجود بعض المنكرات، وهذا شيء طيب تُشكر عليه الفتاة، لكن هناك بعض الدعوات تخلوا تمامًا من مثل ذلك، فعلى الفتاة أن تحرص على الخروج مع أهلها في المناسبات، لأن في خروجها ذلك، يتعرف عليها النساء ويشاهدونها، فتكون عرضة لأعين الأمهات والأخوات اللاتي ربما سارعن بخطبتها، فلتحرص الفتيات على الظهور أمام النساء في الحفلات والدعوات والمسايير والزيارات، ولا يكن حبيسات الجدران، لا يعرفهن إلا الجدار، بل لتخرج حتى تُعرض فتُخطب. [جيش من النساء، يحي بن موسى الزهراني].

تاسعًا: الواقعية في اختيار الزوج:

فلا تغالي الفتيات في طلباتهن للعريس المنشود وتعلم أن الواقعية تفرض عليها بعض الأمور الضرورية من التنازل عن بعض الصفات الخيالية التي كانت تحلم بها والتي ليس تضر ضررا عظيما، فالشعر الناعم والقوام الممشوق والطول الفارع ولون العينين والثراء الفاحش والغنى المطلق ليست من الصفات الضرورية للزوج المنشود وإنما هي أمور تحسينية لا تبنى عليها البيوت ولا تقوم عليها السعادة الزوجية (والأدهى من ذلك أن بعض الفتيات ترفض شابًا لأنه ملتزم ومتمسك بشعائر دينه، وتدعي بأنه لا يحقق لها رغباتها الشخصية، من إيجاد دش، وتبرج، ونقاب فاتن، وعباءة محرمة، ومشية مجرمة، أو الخروج للأسواق، أو الحدائق المختلطة وما شابه ذلك من أمور منكرة، فتترك هذا الكفء من أجل طلبات محرمة.

ولا شك أن مثل هذه الفتاة إن فعلت ما نهى عنه الشرع، ورفضت الكفء فهي على خطر عظيم، فربما فسدت حياتها من بدايتها بسبب ذلك، لمخالفتها الصريحة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الترمذي من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ") [جيش من النساء، يحي بن موسى الزهراني].

عاشرًا: الثقة في الله والتوكل عليه:

فالعودة إلى الله والتمسك بأهدابه والوقوف على بابه هو مفتاح كل مغلق وتيسير كل عسير ولا يتم شيء في الكون إلا بأمره وإذنه، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها و تستوعب رزقها فاتقوا الله و أجملوا في الطلب و لا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته) [صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب].

وإليكم هذه القصة المؤثرة التي تؤكد على المعنى الذي ذكرناه لفتاة معاقة ظن الكثيرون أن قطار الزواج قد فاتها ولكن كان الله تعالى يدخر لها مفاجأة سارة.

(تأخر زواجي حتى عديت الثلاثين وكل من في البيت تزوجوا من بنين وبنات وعددهم 12 فردا لكن ايماني وتمسكي بقضاء الله جعل الوضع جدا طبيعي قد لا احد يصدق وحتى زوجي الآن يعتقد انني ابالغ في ذلك..

فالعودة للدين والبعد عن مايغضبه وتحري مرضاته كفيل بزرع حلاوة الايمان التي تجعل الشدائد زيادة في قوتنا وتقبل ما قدره الله علينا... من قصتي اذكر خواتي الاتي انعم الله عليهن بالصحة والعافية فهن لم ينقصهن إلا الزوج الذي لا تدري الواحدة هل يكون مصدر سعادة او شقاء

اذكرهن وانا اكتب لهن تجريتي انهن احسن حالا فاني مع وضع عدم الزواج كنت معاقة ولا اتحرك إلا بعكازين رفيقي منذ الصغر

كان يمكن ان يكون وضعي مأساويا بسبب الاعاقة وبسبب خلو البيت وزواج الكل ولكن والله لم يخالجني الهم في ذلك وانا اتفهم ان البلاء خير للإنسان إذا صبر... فالعودة وتوثيق الصلة بالله هي البلسم الشافي لكل مانعاني منه سواء جسديا اوروحيا

والآن اكرمني الله بالزوج الذي كان خارج قاموس انتظاري) [صيد الفوائد].

المصادر:

مجلة الدعوة الإسلامية الكويتية.

في ظلال القرآن، سيد قطب.

مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري.

الضياء اللامع من الخطب الجوامع، العلامة ابن عثيمين رحمه الله.

تفسير القرطبي.

مجلة البيان.

الزواج من أجل الحياة، عبد الرحمن الصايغ.

جيش من النساء، يحي بن موسى الزهراني.

JoomShaper