د. ديمة طارق طهبوب
كتبت الصّحفيّة نجاة شناعة في (السبيل) تقريرًا بعنوان: (التّمثيل النّسائيّ العربيّ في ذيل التّرتيب العالميّ) بيّنت فيه بالاستناد إلى تقرير للأمم المتّحدة و معهد تضامن النّساء أنّ مشاركة المرأة العربيّة في المجالات السّياسيّة و الحسّاسة في إدارة الدّولة تكاد تكون معدومة أو قليلة، و غير ذات أثر أو تقليديّة في مجالات يراها المجتمع أكثر مناسبة للمرأة كالشّؤون الاجتماعيّة و رعاية الأسرة!
يبدو الخبر غريبًا؛ فعلى الرّغم من سنين متواصلة تعود إلى سبعينيّات القرن الماضي عملت فيها المنظّمات النّسويّة المحليّة و العالميّة في الدول العربيّة لتغيير أحوال النّساء العربيّات، و تعامل المجتمعات معهن و تطبيق ما تسوّق له من المساواة، إلاّ أنّ الحال يراوح مكانه بالجمود أو التّراجع، حتى إنّها لم تكتفِ بالعمل الاجتماعيّ و الثّقافيّ لتحقيق أغراضها، بل نجحت هذه المنظّمات بدخول الإطار الدّوليّ و الأمميّ الذي تبنّى أجندتها، و فرضها على معظم الدّول العربيّة فيما يُعرف بمعاهدة (سيداو) التي تطالب بالمساواة الكاملة بين الرّجال و النّساء، و إلغاء كافّة أشكال التّمييز ضدّ المرأة، و هي شعارات في ظاهرها رحمة بالمرأة و تحصيل لحقوقها، و في باطنها انتكاس ذريع لكلّ ما أعطاه لها الدّين من خصوصيّة و تميّز و عدالة، مقارنة مع الرّجل حتى و لو كان المجتمع أيضًا منتكسًا بعدم تطبيقها.
و هذا يقودنا لمربط الفرس، فما دمنا نسير في الرّكاب الأمميّة بتوقيع المعاهدات، و التّعهّد برفع التّحفّظات، و تطبيق التّوصيات المستجدّة. لماذا ما زالت معظم الدّراسات و الإحصائيّات التي تتناول حال المرأة العربيّة لا تبشّر بخير؟ فالعنف و التّحرش ضدّها في تزايد، و التّمييز ضدّها في تزايد، و هضم حقوقها الشّرعيّة في تزايد، و تهميشها في تزايد، و استخدامها كزينة و ديكور للتّظاهر بالتّقدّم و التّطوّر في تزايد! فأين التّغيير الذي أحدثته المنظّمات النّسويّة و المعاهدات الأمميّة طوال هذه السّنوات من العمل الدّؤوب المدعوم؟
الجواب أيضًا بنفس السّلبيّة، ذلك أنّ هذه المنظّمات تأتي بأجندة خارجيّة وطروحات مفصّلة على مقاس حضارات أخرى، و تريد أن تلبس المرأة العربيّة و المجتمع العربي ثوبًا ليس على مقاسهم، و لا يروق إلاّ لقلّة قليلة هي فئة برجوازيّة و مخمليّة لا تحمل من العروبة سوى الاسم، بينما الأفكار و الممارسات صنيعة الغرب و التّغريب.
و هذه المنظّمات و طروحاتها إمّا تُواجه بالعداء من أصحاب التّوجّه الدّيني الذين يعرفون بواطن و مآلات هذه المعاهدات، أو يجهلها بقيّة الشّعب و النّساء المطحونين بعجلة الحياة، بحثًا عن أبسط حقوق الإنسان في العيش الكريم قبل حقوق الجنسين، كلٌّ على حدة.
و أبسط قوانين التّغيير الاجتماعيّ الفعّال و دائم الأثر تقضي أن يكون التّأثير داخليًّا و تراكميًّا في تغيير قناعات النّاس و أفكارهم، بتربيتهم عليها منذ الصّغر، لا بفرضها كقوانين سهلة التّجاوز، و حتى عند التّجاوز لا يُعاقب المجرم العقاب العادل على الجرم، فيذهب الحياء بميراث المرأة، و يذهب العذر المخفّف و ادّعاء الشّرف بدمها!
لقد بلغ المجتمع الجاهليّ درك الانحطاط في التّعامل مع المرأة إلى درجة قتلها و هي حيّة و تبادلها و توريثها كالمتاع، و كانت النّجاة من هذه الأحوال مجرّد حظّ أو اضطرار لبقاء النّوع الإنسانيّ ثم تغيّرت القناعات من داخل النّفوس و العقول و المجتمعات بشريعة جاءت لتعلي من شأن النّفس الانسانيّة بغض النّظر عن جنسها، ثم أعطت أفضليّة و رحمة في التّعامل مع النّساء لعلم المشرّع سبحانه بفطرة الإنسان، و الرّجل خصوصًا و ميْله إلى الاستقواء على المرأة؛ فأصبح الذين يتناقلون المرأة كالميراث لدرجة أنّ الرّجل كان يرث زوجة أبيه، يعطونها حقًّا أصيلاً في الميراث قد يساوي نصيب الرّجل في بعض الحالات، و قد يزيد عنه في حالات أخرى، و أصبحت الأنثى التي توأد مخافة العار هي الباب لدخول الجنّة و هي من أسباب اليمن و البركة على أبيها و زوجها و القيّم عليها.
و الآن الشّريعة لدينا، و لكنّها غير مطبّقة و غير مفعّلة حتى لو وُضعت في شكل قوانين، و بالتّأكيد لن نكون أفضل حالاً باستيراد قوانين لا تشبه ديننا و لا حضارتنا.
و الحلّ أن نربّي الذّكر و الأنثى في المهد بيتًا و مدرسة و مجتمعًا كبيرًا على احترام و تطبيق حقوق الطّرفين، أمّا سيف القانون فلن يخيف من يريد انتهاكه، بل و سيجد مخرجًا للالتفاف عليه.
بالطّبع نحن سعيدون أنّ أثر المنظّمات النّسويّة علينا ليس كبيرًا للدّرجة التي يتمنّونها، و يعملون لها، و ما زال لدينا مناعة بفضل بقيّة من دين، و عروبة، و عادات و تقاليد، و لكن هذه ليست دلالة صحّة، كذلك فمن يعملون للمرأة في إطارات أكثر محافظة و التزامًا لم يحصّلوا للمرأة الكثير، و لم يقدّموا نموذجًا واعدًا على ما يعطيه الإسلام للمرأة بالممارسات لا بالتّنظير.
إنفاذ القانون يحتاج إلى شعب على مستوى من الإيمان و الوعي يطبّق ما عليه، و يأخذ ما له، و لا يُلجئ الرّقيب إلى استخدام سلطة القانون، فربّ القانون الشّرعيّ هو الذي يدفع النّاس إلى الالتزام به لا كاتبو القانون الوضعيّ.
النّساء إلى الخلف درْ، و سيبقى هذا حالنا بين المضيّ خطوة، و الرّجوع خطوات ما دام المجتمع لم يقتنع بأهمّيتنا و حقوقنا و قدراتنا.
التّغيير يأتي أوّلاً من الدّاخل.
النّساء: إلى الخلف دُرْ
- التفاصيل