يوم المرأة العالمي
- التفاصيل
د. إبراهيم الدعمة
المرأة في حياة أمتنا هي المجتمع، كيف لا؟ فهي الأم والأخت والزوجة والبنت، وكلما كانت صالحة أنشأت جيلاً صالحاً راشداً رائداً، وكلما كانت العكس تخلخل البنيان، وانهارت الأركان، فلا غرو أن نجد الجهود منصبَّة عليها شرقاً وغرباً، لا يألو أعداء الأمة جهداً في سبيل تحقيق ما يريدون من خلال التباكي على حقوقها والانتصار لها، والحث على احتلال مكانتها في المجتمع في جوانب الحياة المختلفة وفق رؤيتهم الخاصة، وهو ما يُعْرف بأدبياتهم بـ(التمكين).
ومن أهم ما يركزون عليه في هذا الجانب عمل المرأة خارج البيت، والحرية فيما ترى وتُقَرِّر، فيعتبرون المرأة العاملة مُنْتِجة، أمّا عملها داخل بيتها فلا وزن له ولا قيمة، عملها خارج البيت تنمية واستثمار، ووجودها بين أطفالها إهدار لمهارات وقدرات من الممكن أن يستفيد منها المجتمع، ويتباكون على انخفاض مساهمتها في سوق العمل، وبالتالي لا بد من زيادة هذه النسبة حتى تتساوى مع الرجل.
لا نريد أن ندخل في تفاصيل هذه الدعوى، لكن لا بد من التأكيد أولاً أنه لا يوجد دولة من دول العالم إلا ومعدلات تشغيل المرأة فيها أقل منها للرجل، فضلاً عن التعليم والصحة إلا دولة واحدة فقط (بوروندي)، حسب تقارير التنمية البشرية (2010، 2011)، وبشكل عام لا يوجد دولة في العالم حققت التشغيل الكامل لمواردها البشرية جميعها، وجميع دول العالم لديها معدلات بطالة، تتفاوت هذه المعدلات من دولة إلى أخرى، وبحسب إحصاءاتنا الرسمية بلغ معدل البطالة قريباً من 13%، ونسبة التشغيل للمرأة 20% من العاملين في القطاع العام، و17.4% في القطاع الخاص.
لكن ما يهمنا في هذا المجال هو التأكيد على أن الاعتقاد أن اعتبار ارتفاع مساهمة المرأة في القوى العاملة يؤدي إلى التنمية والإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى دراسات معمقة، تأخذ جوانب عديدة بعين الاعتبار، فالتوسع بتشغيل المرأة في ظل معدلات البطالة المرتفعة سيؤدي إلى زيادة بطالة الرجال، ولا يخفى ما يترتب على ذلك من مشاكل اجتماعية سيعاني منها المجتمع، والمرأة العاملة سيتغير سلوكها الاستهلاكي بشكل عام، ويزداد طلبها على السلع الكمالية، وهذه في الغالب مستوردة، وسيتسبب عملها بارتفاع تكاليف زواجها، وبسبب ارتفاع هذه التكاليف ستتغير الأنماط الاستهلاكية في المجتمع بسبب المحاكاة والتقليد، وهذا سيؤدي لارتفاع تكاليف الزواج بشكل عام، وستزداد نسبة العنوسة في المجتمع لزيادة عدد غير القادرين على تحمل هذه التكاليف، فضلاً عن المفاسد الأخلاقية التي ستترتب على خروج المرأة من بيتها سواءً بالنسبة للزوج والأبناء والمجتمع، وهذه لا تخفى على كل صاحب بصيرة، فضلاً عن أمور كثيرة يضيق المجال عن ذكرها.
وهناك ضوابط شرعية وضعها شرعنا الحنيف لضبط المجتمع أخلاقياً وسلوكياً واقتصادياً والذي يؤدي لتوفير الحياة الآمنة الكريمة للفرد والجماعة، تحفظ للمجتمع أمنه، وللمرأة كرامتها، وللاقتصاد نموه وازدهاره، تحدث عنها فقهاؤنا لمن تريد رضى الله تبارك وتعالى والدار الآخرة، حري بصواحب الحجا أن يعدن إليها ليعلمن أن دعاوى التحرر والانفلات من عقال الدين والخلق يراد منها أولاً وأخيراً النفاذ إلى حصننا الأول والهام (الأسرة) وتدميره من الداخل، فلا مانع من العمل ضمن الضوابط المشروعة، وخسارة الأخرى لا يعدلها الدنيا وما فيها، وكما قالت إحداهن ممن تسلمت المناصب العلمية والأكاديمية العليا (رِجِل وَلَد يقول ماما) خيرٌ مما جنيته في حياتي، وولد صالح يدعو للمرء خير من المتاع الغرور، والفساد والتخلف لا تتحمل وزره المرأة، ولن تحقق التنمية الإصلاح المرأة، ويكفينا هروباً للأمام من مآزقنا ومشاكلنا.