د. ديمة طارق طهبوب
"و ما منعني أن أجيبك إلاّ أنّي سمعت رسول الله يذكرها". هكذا أجاب أبو بكر عمر و هو يستسمحه أنْ لم يُجبْ عليه عندما عرض عليه الزّواج من حفصة.
حفصة الصّحابيّة، و واحدة من أوليات المهاجرات، و زوجة شهيد بدريّ، و ابنة صفيّ من أصفياء رسول الله ومن المبشّرين بالجنّة و المعزّ لدين الله، و لكن أغلب صفاتها هذه قد تنطبق على كثير من الصّحابيّات في عصرها، و في الصّحابة فضل كبير، و كان يمكن لرسول الله -صلّى الله عليه و سلّم- أن يختار أحسنهم و يزوجه بها؛ فقلبه و عقله و حياته ممتلئة بكاملة من النّساء، هي عائشة -رضي الله عنها- و قد مكّن الله لها في قلبه، و رزقه حبّها، و جعله عقدة لا تنفكّ أبدًا لتكون زوجة الدّنيا و أمّ المؤمنين، و سيّدة من سيّدات أهل الجنة، و ليكون ريقها الطّاهر المطهّر آخر ما يدخل جوف المصطفى، قبل أن يلاقي ربّه مؤثرًا الرّفيق الأعلى على صحبة الأحباب، بعد أن أدّى الرّسالة و بلّغ الأمانة و نصح للأمّة و عبد ربّه.
لماذا يقدم الرّسول على الزّواج بحفصة و قد حاز الكمال و الرّضا و السّعادة و الحبّ و قرّة العين في عائشة؟! لماذا يبادر بنفسه، و لا يقدّم غيره؟! هل أراد أن يؤذي عائشة و يكسر قلبها قصدًا و تجبّرًا بما آتاه الله من سلطة القوامة و القدرة على التّعدّد و إنفاذ أمره، و هو يعلم تعلّقها و غيرتها و حبّها؟! هل ضرب بحياتهما سويًّا عُرض الحائط و هي التي تزوّجته صغيرة السّن و هو في أشدّه، و فتحت عيناها و قلبها و عقلها على دنياه؟! هل أراد فقط أن يجبر كسر حفصة؟ و هل كانت حفصة امرأة عاديّة، و هي التي أوصى بها الله سيّدنا محمد، فأوحى إليه: "إنّ حفصة صوّامة قوّامة و هي زوجك في الجنّة"، و هي من لُقّبت بحارسة القرآن الذي حفظت نسخه في بيتها قبل جمعه في المصحف؟!
مثل هذه التّساؤلات تسألها نساء عصرنا عمّن يعدّد، و أنا منهنّ ما زلت أحاول أن أفهم، أرى النّجاح فأفرح، و أرى الفشل فأزداد نقمة على من أساؤوا لدين الله، و لولا قدْر رسول الله في نفوس المؤمنات لتساءلن عن السّيرة أيضًا، و لكنّنا نكتفي بالقول و الحكم أنْ ليس أحد مثل الرّسول في شخصه و عدله، و أنّنا لا نحرّم الحلال نظريًّا، و لكن عمليًّا تفضّل 90% من النّساء-حتى لا أعمّم- المتديّنات خصوصًا الموت، أو أن يموت زوجها، و لا يتزوّج عليها؟! فهل معنا حقّ؟!
معنا بعض حقّ لغياب العدل على الأغلب لمن يعدّدون، إلاّ في أمثلة قليلة تحتاج إلى جهود جبّارة من التّقوى و الحكمة ليس فقط من الرّجل، و إنْ كان يقع عليه العبء الأكبر، و إنّما من النّساء و العائلة.
فهل الحلال حلال نظريّ؟! و هل كان ربّنا الرّؤوف الرّحيم الودود يريد ظلم النّساء بهذا التّشريع، و هو الذي أوجد الغيرة و التعلّق في فطرتهنّ؟! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
و لنقل إنّ الرّسول رسول مؤيّد من الله بالصّبر و الحكمة و سعة الصّدر، فماذا عن النّساء؟!
في ليلة بناء الرّسول بحفصة بكت أمّنا عائشة دموعًا أغرقت المدينة المنوّرة، و جاءتها أختها أسماء و قريباتها، و الكلّ يندب معها حظّها و عمرها و تضحيتها؛ حتى أُغمي عليها، و أيقظتها النّساء و هي ذاهلة، و في رأسها فكرة واحدة لا بديل عنها "بمجرّد أن أرى محمّدًا سأطلب منه الطّلاق!".
هذا السّيناريو و المشهد هو ما نعرف و نرى و نتوقّع في حياتنا، فهل هو ما حصل فعلاً، مع علمنا بغيرة السّيّدة عائشة الأسطوريّة و الخالدة على رسول الله؟ هل عبست في وجهه و هجرته، و غلّقت الأبواب، و نكرته بعد أن أمرها أبو بكر بلزوم بيتها و زوجها؟!
هذه الغيور الشّابّة المحبّة التي نُسجت نياط و عروق قلبها لتنبض بحبّ رسول الله الذي قال لها: "إنّي لأحبّك و أحبّ هواك" لم تفعل شيئًا من ذلك، بل إنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لمّا خيّرها في البقاء معه أو طلاقها في قضيّة الإنفاق، و طلب منها أن تستشير والديها قالت له بدموع عينها: "أفيك أستأمر والديّ"؟ و كانت الحياة لها حياة رسول الله، و الموت موته لا انفصام في دنيا و لا في آخرة.
هذه المحبّة الغيور التي ما عرفت حبيبًا و لا رجلاً غير محمد -صلّى الله عليه و سلّم- أصبحت -كما تذكر السّيرة- مع حفصة حزبًا واحدًا و يدًا واحدة لا تتركها، بل إنّ السّيّدة حفصة كانت تقول: "رأيي تبع لرأي عائشة"!
فهل كانتا امرأتين خارقتين من طينة غير طينة النّساء؟! أم هنّ ليستا من البشر، لذا لا غيرة في قلبيهما؟! ألم يكن لهما بعض جولات مع الغيرة؟ ألم تطلب السّيّدة أم حبيبة على فراش موتها السّيّدة عائشة و قالت لها: "قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضّرائر، فتحلَّليني من ذلك؛ أيْ سامحيني، فحلّلتها، واستغفرت لها، فقالت: سررتني سرّك الله". وأرسلت بمثل ذلك إلى باقي الزّوجات
الجواب و الحلّ الذي ندّعي أنّنا نملكه كنساء و لا نملكه هو التّقوى و مخافة الله عند حصول الاختلاف، و الجواب و الحلّ الذي يدّعي الرّجال أنّهم يملكونه، و لا يملكونه هو العدل في النّفقة و المبيت، و حبّة المسك فوق ذلك في الطّيبة و الحنان.
ثم هل كان فلك السّيّدة عائشة و حفصة يدور في الحب ّو الغيرة و كيْد النّساء؟!
أم أنّ عائشة كان لديها مشروعها الخاصّ في بلوغ منزلة العلم و الفقه و الفتوى، و النّهل من معين العلم النّبويّ؛ فكان أن أحرزت نصف علوم الدّين لتتولّى تعليم المسلمين أمور دينهم، و وراثة النّبوّة بالعلم؟!
و أمّا حفصة فكانت تعرف القراءة و الكتابة، و كانت تفتي، و تروي الحديث، و لذا استودعوا عندها أعظم الأمانات من صحائف القرآن قبل جمعه.
هذا مقال ليس له خاتمة؛ فأنا أقف فيه على الأعراف، أسأل الله لي و للمسلمين من أفضال الفهم و أنوار الهداية التي توصل إلى جنّة الدّنيا و الآخرة، و أدعو على الظَّلَمة إمّا بالتّوبة أو القصاص لمن يلعب بدين الله.
هذا مقال ليس له خاتمة، بل أسئلة أطرحها للتّداول و النّقاش..
هذا مقال لم يذكر قصص ظلم الزّوجات و العائلات بسبب فَسَقة من الرّجال أخذوا من الدّين ذريعة لتحقيق أهواء دنيئة ممّا يجعل النّاس، و خاصّة النّساء، ينفرْن من التّعدّد، بل و من خطاب الدّين كلّه، و يمارسْن شيئًا من الشيزوفرينيا الإيمانيّة في الإيمان بالنّصّ النّظريّ و الكفر بالتّطبيق العمليّ!!
هذا مقال لم يذكر أنّ هناك حالات معاصرة مشرقة للتّعدّد تستحقّ دراسة أسباب نجاحها.
هذا مقال لم يتعرّض لأثر الإعلام الهدّام في زيادة النّفور من التّعدّد بتصوير الزّوج بالخائن، و تصوير الزّوجة بالضّحيّة، و الزّوجة الثّانية بالمجرمة.
هذا مقال لم يذكر أنّ هناك ملايين الأرامل في العراق، و الآلاف في سوريا، و العوانس كذلك يبكين كلّ ليلة مثل تلك المرأة في زمن سيّدنا عمر التي مرّ ببابها، و هو يعسّ و سمعها تنشد:
تطاول هذا اللّيل و اسودّ جانبُهْ
و أرّقني ألاّ خليل ألاعبُهْ
فو اللهِ لولا اللهُ أنّي أراقبُه
لحرّك هذا السّريرَ جوانبُه
فما كان من سيّدنا عمر إلاّ أن ذهب إلى أمّنا حفصة و سألها: أيا بنيّة، كم تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت له: يا أبتِ، يغفر الله لك، أَمِثلُك يسأل مثلي عن هذا؟! فقال لها: لولا أنّه شيء أريد أن أنظر فيه للرّعيّة ما سألتك عن هذا. قالت: أربعة أشهر، أو خمسة أشهر، أو ستّة أشهر. فقال عمر: يغزو النّاس يسيرون شهرًا ذاهبين، ويكونون فى غزوهم أربعة أشهر، ويقفلون شهرًا.
فما بالنا بمَن غاب عنها زوجها غيبة أبديّة، أو لم تتزوّج سابقًا، و كان لها رغبة في زوج و أسرة تكمل لها دينها و دنياها؟!
هذا مقال قد نتساءل بعده(النّساء بالذّات): لماذا يجب أن أدفع أنا من حياتي و استقراري لمثل هؤلاء النّسوة؟ ألا يكفي الدّعاء و التّعاطف و الكِفالة الماديّة و ليحمل غيرنا عنّا؟!
أسئلة ليس لها إجابة حاسمة عندي.
مع رجاء ألاّ تقوم الحرب العالميّة الثّالثة عليّ، و ألاّ أفقد جمهوري من القارئات، أو أكسب قرّاء من الرّجال؛ لأنّي تناولتُ حاجة في نفوسهم يقدمون عليها، دون فهم أو عزم أو قدرة!
أمّا من وفى فقد وفى لشرع الله و لنفسه، و نجا في الدّنيا و الآخرة.
طلّقني يا رسول الله
- التفاصيل