د. سمير يونس
كم تعاني الأرملة من قسوة البشر؟! لماذا القسوة على الأرملة من القريب والبعيد؟ ألا يمكن أن تترمل أختك أو ابنتك يوماً ما؟ ألا يجدر بنا أن نرحم الأرملة ونرفق بها بدلاً من أن يطمع الناس فيها ويسيؤون إليها؟ ألا يكفيها ما تحمله من ألم وحرمان بفقدان شريك حياتها؟ ألا يكفيها حملها للقب أرملة من مجتمع لا يرحم؟ ألا يكفيها الحزن الذي تراه ظاهراً على قسمات وجوه أولادها اليتامى؟! ألا يكفيها التفكير في مقارنة اليوم بالأمس؟ وكيف كانت وكان أولادها في حياة زوجها؟! وإلام صاروا الآن وقد فقدوا الوالد الحنون مصدر الحنان والأمان؟ إن الأرملة لا تقبل الشفقة، بل تحتاج منا إلى أن نشعرها بتقديرنا لها وتكريمنا، واحترامنا لها، والوقوف بجانبها، وإسعادها وإسعاد أولادها وفق تعاليم شرعنا العظيم الحنيف. في رحلة الحياة الدنيا، لا تخلو حياة إنسان من ابتلاء وعناء، وتختلف نوعيات الابتلاءات لكن سنة الله واحدة ماضية، { فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا "43"}(فاطر). في لحظة واحدة، قد يتحول مسار حياة الزوجة؛ يموت زوجها فتصير أرملة، وذلك ابتلاء من أشد الابتلاءات التي تصيب الزوجة، وخاصة إن كانت تحب زوجها ويحبها، فبفقدانه تشعر أنها فقدت حبيبها وشريك دربها، وقرة عينها، وملاذها الذي تلوذ به، وحصن أمانها، ونبع حنانها. ويزداد الابتلاء شدة إذا كان لديها أبناء وبنات، يناط بها تربيتهم، وتوفير احتياجاتهم في الحياة، من مأكل ومشرب وملبس وتعليم إلى غير ذلك من حاجيات الحياة. ويحتدم الخطب عندما تجد أهلها يضيقون بها ذرعاً، أو عندما تكون فاقدة للأب والأم، ولا يوجد لها إخوة يرعونها، ويهتمون بشؤونها ومتطلبات أولادها، فيخففون عنها ضغوط الحياة، أو عندما يكون أهلها قساة فيتركونها تسير في حياة وعرة موحشة، فتشعر بأنها وحيدة في هذه الدنيا. ويزداد خوف المرأة والأرملة، وتزداد آلامها عندما تجد مَنْ حولها يطمعون فيها - وخاصة إن كانت ذات مال وجمال - فتلاحقها الأنظار، وتتعرض، وتطمع فيها الذئاب البشرية!!

وكأنها ليست إنسانة، ينبغي أن تصان كرامتها، وأن يُحفظ عرضها. إن كل إنسان يطمع في الأرملة ينبغي أن يدرك أن زوجته أو ابنته أو أخته ربما تتعرض لذلك، فليتق الله في نظراته إلى الأرامل، وليخش ربه فيقلع عن طمعه في الأرامل، ولله در الإمام الشافعي: عفوا تعف نساؤكم في المحرم وتجنبوا ما لا يليق بمسلم إن الزنا دين فإن أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم يا هاتكاً حرم الرجال وقاطعاً سبل المودة عشت غير مكرم لو كنت حراً من سلالة ماجد ما كنت هتاكاً لحرمة مسلم من يَزْنِ يُزْنَ به ولو بجداره إن كنت يا هذا لبيباً فافهم من يزن في قوم بألفي درهم يزن في أهل بيته ولو بالدرهم صور من مآسي الأرامل

(1) إحدى الأرامل، كان زوجها رحمه الله صديقي، هاتفتني ذات يوم، تطلب وساطتي في حصولها على حق زوجها من ورثة صديق آخر لي، وقد عرفت كلا الرجلين في المسجد، أحدهما كان من أبرز الشخصيات التي تفعل الخير، وقد أنشأ عدداً من المعاهد الأزهرية المتميزة، وهذا هو زوج صاحبة الحق.. والثاني - يرحمه الله - كان داعية مؤثراً وخطيباً مفوهاً ورجلاً أحسبه صالحاً، بيد أن ورثته لم يرحموه بعد وفاته.. اتضح لي من خلال حواري مع الفريقين أن الأرملة التي تطالب بمستحقاتها صاحبة حق بالفعل، ولقد خاطبت ورثة الرجل الآخر يرحمه الله، ونوعت في خطابي، بين الوعظ وبين الخطاب العاطفي، حتى قلت لهم: هذه الثروة كونها والدكم - يرحمه الله - ومن حقه عليكم إن وجدتم مطالباً وتبين أنه صاحب حق أن تبادروا بتسديد ما على والدكم، من باب جلب الرحمة والراحة له، وخاصة أنه غادر الدنيا إلى دار الحق، ولكن الورثة ركنوا إلى الدنيا، وطغت عليهم أطماعهم، ولم يعترفوا بحق كان واضحاً وضوح الشمس في وسط النهار.

(2) ومنذ سنوات كنت أزور معهداً أزهرياً، فحكى لي شيخ المعهد، وكان أباً حنوناً لجميع العاملين بالمعهد، قال لي: إن إحدى المعلمات طلبت منه أن يساعدها في أن تتزوج برجل صالح، حماية لها من نظرات الناس، وأطماع الذئاب، وحكت له أن ابن عمها طلب زيارتها لرؤية الأولاد، وفي أثناء الزيارة أعطى أولادها مالاً؛ ليشتروا به ما تشتهيه أنفسهم، ولما ذهب الأطفال للشراء، تحرش بها، فأبت، فلما أصر ضربته على وجهه بحذائها، وطردته من بيتها.. وقد وفقها الله في الزواج برجل صالح؛ ليعلم من حولها أنها متزوجة، فيكفون عن الطمع فيها، وخاصة أنها كانت جميلة وضاءة، بل رضيت بأن تتزوج برجل يزورها في الأسبوع مرتين؛ لأنه كان متزوجاً، وتزوجها كزوجة ثانية، ولم يعلم زوجته الأولى، حتى يحافظ عليها وعلى بيته وأولاده.

(3) وشكت إحدى الأرامل من أهل زوجها، حيث كان الزوج - يرحمه الله - ريفياً، ولديه قطعة أرض زراعية ورثها عن أبيه - يرحمه الله - وقد أنجبت هذه الأرملة ولداً وبنتاً من زوجها، فلما مات زوجها أرادت أن تستثمر قطعة الأرض، ولكن إخوة زوجها حالوا بينها وبين ذلك، بحجة أنها يمكن أن تتزوج وتبدد حق ابنها وبنتها، فسألتها: وهل يعطونكم إيجاراً للأرض، أو عائداً مما تنتجه؟ فأجابت: منذ أن توفي زوجي من تسع سنين، ولم يعطونا أي شيء، واستولوا على الأرض، ومنعوا أولادي من مجرد المرور بالأرض، أو رؤيتها! فيا لقسوة البشر على الأرامل واليتامى!!

(4) قد يتوفى الزوج، وتترمل الزوجة، وهي صغيرة السن، ومن ثمَّ تكون لها احتياجات شرعها الله عز وجل، وأباح لها أن تلبي هذه الاحتياجات، فقد ترغب الأرملة في الزواج، ويرفض أولادها بسبب الغيرة عليها، أو لأنانيتهم واعتبارها ملكاً لهم لا يجوز لآخر أن يشاركهم فيها، وهم بذلك لا يعطونها أبسط حقوقها، ولا يراعون احتياجاتها، ولا يقدرون سر هذا التشريع العظيم الذي يسد كل الثغرات التي قد تؤدي إلى افتتان هذه الأم، أو إشباع حاجاتها من طريق غير شرعي إن لم تصبر، والحياة مليئة بهذه المشكلات، فبسبب تضييق الأولاد والأهل أو أهل المتوفى على الأرملة ربما ترضيهم بعزوفها عن الزواج، لكنها في الوقت ذاته قد تخطئ، وقد تأثم؛ لأن بداخلها احتياجات ينبغي أن تُشبع، ولكن الأولاد يرفضون، وهم بذلك يقسون على أمهم. وقد يتعلل البعض عن رفض زواج الأرملة بزيجات فاشلة، وهذا ليس عذراً، وليس سبباً يجعلنا نغلق هذا التشريع، وليس منع زواج الأرملة هو الحل، ولكن الحل هو أن تحسن الأرملة اختيار الزوج. والبعض قد يتعلل أيضاً - وخاصة النساء - بأن زواج الأرملة ليس من الوفاء لزوجها الأول، وهؤلاء النسوة صاحبات هوى في حلمهن هذا، ولسن منصفات، وحسبهن أن يتريثن قبل هذا الحكم، وأن يقرأن السيرة والتاريخ الإسلامي، فإنهن سيجدن صحابيات فضليات وفيات طاهرات تزوجن بعد وفاة أزواجهن، ولا يتناقض ذلك أبداً مع الوفاء؛ لأن الشرع العظيم لا يمكن أن يجيز شيئاً ينقض قيمة الوفاء، والحقيقة أن هؤلاء النساء لا يدركن أنهن يقذفن الصحابيات اللائي تزوجن بعد ترملهن بعدم الوفاء، فلتتق الله كل امرأة، تنزع صفة الوفاء من الأرملة التي تتزوج بعد وفاة زوجها، ولتعلم أنها لا تطعن فقط - بادعائها ذلك - في تلك الأرملة فحسب، بل إنها تطعن في جميع الصحابيات اللائي تزوجن بعد ترملهن، بل تطعن في شرع الله تعالى وسنة رسوله "صلى الله عليه وسلم"، وهو الذي تزوج بعد خديجة، ولا يستطيع أحد أن يطعن في وفاء النبي "صلى الله عليه وسلم" لزوجته خديجة رضي الله عنها. إن الأرملة تحتاج - بعد وفاة زوجها - إلى زوج صالح يشد أزرها، ويعينها، ويقف بجانبها، وخاصة إذا كانت لا تعمل، وإلا فمن أين تنفق على أولادها؟ وإن كان أولادها يعملون فقد ينشغلون بأعمالهم وزوجاتهم وأولادهم، ومن ثم لا تجد الأرملة من يهتم بها، فلماذا لا يتركها أولادها تستمتع بحياتها، وتتزوج وتشبع حاجاتها النفسية والعاطفية والجسدية والروحية؟ تقول إحدى الأرامل: أنا سيدة أرملة عمري ثلاثون عاماً، وأم لثلاثة أولاد، وقد توفي زوجي منذ ثلاث سنين، وتقدم لي رجل صالح محترم وثري، فوافقت لإحساسي بصلاحه، وبأنه سيأخذ بيدي ويقربني إلى ربي، ويعينني على العبادة والطاعة، ويساعدني على تربية أولادي، لأنني لا أعمل، وليس لي راتب، ولكنني عندما عرضت الأمر على أولادي رفضتْ ابنتي الكبرى بشدة، وهددتني بترك المنزل إذا تم هذا الزواج، فتراجعت عن مشروع الزواج، إرضاء لابنتي، وخرجت أعمل مندوبة مبيعات، كي أنفق على أولادي، ولكني تعرضت لمضايقات ومعاكسات وأطماع من ذئاب البشر لا يمكن وصفها، فزاد إحساسي باحتياجي إلى رجل يحميني ويساندني ويشاركني تربية أولادي. وعبر رسالة إلكترونية قال لي رجل توفيت زوجته: أنا رجل عمري خمس وأربعون سنة، كنت قد أحببت فتاة منذ عشرين عاماً، ولكن لم يكن لي نصيب فيها، وتزوجت بشخص آخر، ثم شاء الله عز وجل أن تتوفى زوجتي، بعد أن رُزقت منها ببنت عمرها عشر سنوات، ثم توفي زوج من أحببتها بعد وفاة زوجتي بعام، فتقدمت للزواج منها، فوافقت وتزوجنا، وكانت أماً لثلاث بنات أصغر من ابنتي، ومن لحظة زواجنا اعتبرتُ بناتها الثلاث بناتي، وكذلك زوجتي، حيث تعامل ابنتي كأنها ابنتها، فهي لها بمثابة الأم، عوضتها حرمانها من أمها، فلقد أحبت ابنتي حباً شديداً، وأحبتها ابنتي وتعلقت بها، كما أن زوجتي أقنعت بناتها أنني والد لهن، ولقد توطدت العلاقة وقويت بشكل أفضل بعد أن رُزقت من زوجتي بابن، صار أخاً لأخواته الأربع، وكان رابطاً قوياً بيننا جميعاً.

يقول د. محمد السعيد أبو الخير أستاذ علم النفس: تلجأ المرأة إلى الزواج بعد وفاة زوجها لأسباب ودواع كثيرة، منها الحماية، حيث تحتاج المرأة إلى أن تحتمي في رجل، فهو يمثل لها السند في حياتها، حتى إذا كان لديها أبناء، فالأبناء لا يُغنون عن وجود رجل في حياة المرأة، وحتى لا يطمع فيها الآخرون. وأيضاً من الدوافع التي تدفع الزوجة إلى الزواج - بعد وفاة زوجها - حاجتها إلى الأمان والحنان، فهذه وإن كان علماء النفس جعلوها من الحاجات الثانوية للإنسان، إلا أن هذه الحاجات بالنسبة للمرأة - من وجهة نظري - تعد من أهم الحاجات الأساسية للأرملة.. هذا من الناحية النفسية.

أما من الناحية الشرعية، فللأرملة الحق في الزواج، شريطة أن تنقضي عدتها، فبعد انقضاء العدة تصير الأرملة حرة لها الحق في أن تتزوج، وليس من حق الأولاد منع والدتهم من الزواج بعد وفاة والدهم، فالله تعالى هو الذي أعطاها الحق في ذلك، وملكها أمْرَ نفسها، وتستطيع أن تختار الزوج المناسب.. وينبغي أن يدرك الأولاد أن رفضهم لزواج أمهم الأرملة - إن هي رغبت في ذلك - تعطيل لتنفيذ شرع الله.. وفي الوقت ذاته إن رغبت الأرملة في أن ترعى أولادها بنفسها وتربيهم، وتعزف عن الزواج بمحض إرادتها، فلها ثواب كبير وأجر عظيم، نظير تربيتها للأيتام، وقد منحها الشرع هذا الحق في اختيار حياتها، وقد بشر رسولنا الكريم "صلى الله عليه وسلم" الأرملة بالجنة، بل بقربها منه "صلى الله عليه وسلم"، وإنها تسابقه في دخول الجنة، وذلك في قوله: «أنا أول من يفتح باب الجنة فأرى امرأة تبادرني (أي تسابقني)، تريد أن تدخل معي الباب، فأقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدتُّ على أيتام لي» (المصدر: الترغيب والترهيب).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

JoomShaper