سامية بنت ياسين البدري
مفاد العنوان يعني جعل المرأة وسيلة، وقد استللته من كتاب قضايا المرأة للدكتور عبدالوهاب المسيري، لأني تأملت الكتاب كثيرا، وقرأته مرات عديدة، ووجدت أن المسيري يكتب من واقع، لا من مخيلة، ولا من مدينة أفلاطونية، ينظر من زوايا عدة.
لقد غدت المرأة وسيلة حينما ركزّ الغرب، فسلط الأضواء عليها في الإعلام المرئي وفق لغة دعائية لا تكترث بها كإنسان، فعملها ترويج السلع بجسدها، فشركات مستحضرات التجميل جعلتها وسيلة لترويج منتجاتها، كما استخدمتها دور الأزياء لترويج بضائعها، كما استخدمتها هيوليود لترويج الرذيلة، فهي وسيلة لتسويق الفحش والعهر كل هذا بدافع مادي بحت، تحت ما يسمى بعمل المرأة!
فأقحموا المرأة في كل مجال من مجالات العمل التي لا تتفق مع طبيعتها وأنوثتها ورقتها، فهي النادلة في المطاعم، وهي الممثلة على المسارح، وداخل دور السينما، وهي الغانية على المدرجات، وهي المهندسة، والعاملة في مناجم الفحم، و...الخ. وأصبحت تتحمل عبئا وظيفيا فوق طاقتها إزاء حفنة مال من وجهة نظرها، ومن وجهة نظرهم جعلوها وسيلة للاستمتاع بها، وتقويض مملكتها الأسرية، دون اعتبار لإنسانيتها، فتم تمكينها من شتى الوظائف التجارية والسياسية والصحية والتعليمية و... الخ ظاهرا، لا باطنا.
إنه لمن الملاحظ في عمل المرأة عند الغرب جعلها وسيلة تنفيذ لما يريدون تحقيقه، فهم استخدموا جسد المرأة لا عقلها، ولا فكرها ولا جهدها، فأين إبراز جهدها والإشادة بتميزها هذا يكاد ينعدم، لتطبيع بعض ما يريدون بشكل غير مباشر، كالاستهلاك المادي الذي لا يقف عند حد، و كتمرير الأجندات والاتفاقيات الدولية الأممية، التي يرتكز محوره حول الأنثى فقط.
كما يلاحظ التركيز على الكم المادي المالي الربحي فقط، دون نظر للمنتج، وكيفية أدائه، التركيز على الفرد الغير منتمي، على الأنا، دون نظر بأن المرأة منتمية لمجتمع، وهي فرد منتمي لأمة، فأخرجت من بيتها لساعات طوال، وألغي دور أمومتها، بل أصبح مكوثها بالبيت وعدم التحاقها بالعمل صورة من صور العنف!! وجلبت المربيات من الخارج ليتولون عملها الأصلي والحقيقي!!
هذه النظرة المادية الاستهلاكية انتقلت كما هي لكثير من الدول الإسلامية إبان الاستعمار العسكري الذي حل بديار المسلمين، والغزو الفكري الذي اجتاح عقر دارهم، ولقد عانت المرأة الكثير في تلكم الديار وجنت الويلات، فهُدمت الأسر وتفككت، وغُيب دورها المنتج، لكن وللأسف لا يوجد من يتعظ بما حدث، فنجد التجربة ذاتها تنتقل لبلاد الحرمين، ويصبح مهام وزارة العمل هو السعي في توظيف أكبر عدد ممكن من النساء، واستحداث وظائف لهن، والزج بهن في كل مكان وبأي زمان، وكنا من ذي قبل نسمع بالسعودة للقضاء على أزمة البطالة، و إذ بنا نتفاجأ بنسونة الوظائف بشكل ملفت للانتباه وملحوظ للعيان، دون مراعاة لمناسبة الوظائف لطبيعة المرأة، دون اعتبار لمواد وأنظمة العمل، دون اهتمام بالمرأة ذاتها، فتأنيث الوظائف لم يحل مشكلة البطالة التي يعاني منها المجتمع برمته، بل قصرت النظر على نون النسوة دون واو الجماعة، بتحيز مقصود مستهدف ملحوظ، فأين موقع توظيف الذكور من ما تستحدثه وزارة العمل؟!
لقد أصبح الهدف هو توظيف المرأة في أي مكان وبأي زمان مقابل بضع ريالات تجني بعدها المرأة ومجتمعها الويلات والويلات.
إنّ النظرة المغيبة لطبيعة العمل لذكر كان أو أنثى بأن العمل رسالة سامية، يسعى المرء في هذه المعمورة كادحا لتحقيق أهداف عديدة، فدينه الذي يدين الله به حثه على العمل لا لذات المال فقط، بل لأشياء عديدة، هذه هي النظرة التكاملية الشمولية، يقول تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" سورة الملك، نحن مأمورون بالسعي في هذه البسيطة لعمارتها، والبحث عن الرزق للاستغناء عن الآخرين، فاليد العليا خير من السفلى(حديث رواه البخاري)، وفي إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الفأس والحبل ليحتطب دلالة على الحث على العمل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نَفْسِي بيدهِ لأنْ يأْخُذَ أحدُكم حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ علَى ظَهْرِهِ خيرٌ له مِن أنْ يأْتِيَ رجُلًا، فيسألهُ أعْطاهُ أو مَنَعَهُ"رواه البخاري. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك)(حديث ضعفه العلماء، وصحح بعضهم وقفه) دلالة على أن طيب المكسب سبب لإجابة الدعاء.
علينا أن نتيقن بأن الرزق من الله وحده، فنتوكل عليه، فالمآل إليه وحده، قال تعالى: "وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ"سورة الذاريات. إن عمل الأفراد هو بناء وارتقاء للأمة، وعمارة لهذه الأرض، وفق ما شرع الله، هكذا هي النظرة الدينية الشرعية الإسلامية تربط الدنيا بالآخرة دون فصل لهما في كافة شؤون الحياة، وتنظر للكل لا للفرد، وتجمع بين النظرة المادية والروحية المعنوية، حتى لا تركن النفس للمادة فتطغى في التشبث بالحياة لذات الحياة.
إن النظر للعمل على أنه هدف وغاية ووسيلة؛ للحصول على المردود المادي فقط، هو نظر قاصر حاسر مستهلك لا منتج، يركز على الأنا الغير منتمية للمجتمع، يسعى في التفكيك والتفتيت، و هو قانون براجماتي (نفعي) ينص على أن الغاية تبرر الوسيلة، فحتى ما يتم الحصول على المال فسنسلك أي وسيلة للحصول عليه، ولإصباغ الشرعية على الوسيلة أتاح البعض فرصا عديدة مختلطة لا تتناسب مع طبيعة المرأة، ولا تجعلها تنتج وتبدع في إنتاجها، مستغلين ضعفها وعوزها وحاجتها، مهملين أي مقترح يقدم لأجل الحفاظ على المرأة وطبيعة عملها، متغافلين عن أي ناصح محب، شانين حملات الهجوم على كل من يطالب بالبيئة الآمنة والعمل المناسب مع طبيعتها، ضاربين عرض الحائط بكافة الأنظمة التي قامت عليها سياسة دولة في طبيعة عمل المرأة.
لسنا ضد عمل المرأة، لكننا نطالب بتصحيح النظر لطبيعة عملها ليكون هذا سببا في بناء الأمة، وفي دحر الفساد المستشري، فالتوعية تكون من الأفراد أولا لننتج دون أن نتذمر أو نتأفف، تصحيح النظر بأن الموظفة العاملة تنتمي لأسرة، قد تكون أما، وأختا، وبنتا، ليس الهدف من العمل هو خروجها بقدر ما هو التركيز على إنتاجها وعملها وفكرها وإبداعها، سواء من داخل البيت أو خارجه، وعليه يجب التصويت بقوة ناعمة واعية عاقلة على عمل المرأة عن بعد، وعلى أن ربة البيت عاملة تعمل في بناء الأجيال، وفي بناء بيتها، إذ ليس الهدف من عملها هو إخراجها بقوة النظام من بيتها بذريعة العمل، إن كان يؤدي ذات الغرض من العمل، لا شذب العمل عن بعد ورفضه دون بيان سبب وجيه مقنع من بعض أعضاء مجلس الشورى.
إنّ المرأة كائن لطيف رقيق ناعم لا يليق بطبيعتها أن تجمع الروث لتعيد صناعته كي يكون فحما. لا يليق بطبيعتها العمل في الأماكن المختلطة مع الرجل يقفان جنبا لجنب! لا يليق بطبيعتها أن تمكث الساعات الطوال خارج منزلها تنظف ومنزلها أحق بها صيانة لها، لا يليق بطبيعتها العمل في المصانع، لا يليق بطبيعتها تسليع البضائع!!
لا نريد من عمل المرأة أن يكون وسيلة لتنفيذ بعض ما يملى، وما استحدث من فرص وظيفية للنساء والتي لا تتلاءم مع طبيعة المرأة يذكرنا بالغرب الذي جعل من الأنثى ترويجا لسلعه وجعلها وسيلة.
إننا بحاجة ماسة لإعادة صياغة الأنظمة التي تتعلق بعمل المرأة من جهة إجازة الأمومة، فشهرين ليست كافية فحليبها لا يجف من ثدييها، ورضيعها يتضور جوعا، أنى لأم كهذه أن تعمل لتنتج؟! فلا حاضنات بمكان عملها ولا تقليصا للساعات مراعاة لظروفها، على أن بعض دول الغرب أتاحت للأم العاملة العمل الجزئي، وهذا لو طبق سيتيح لنا فرصا وظيفية لأكبر عدد ممكن من النساء.
إننا بحاجة أيضا للنظر في عدد ساعات عملها ومكانه وطبيعته، إننا نعيش داخل مجتمع متكامل يكمل بعضه الآخر، لسنا أفرادا منفصلين وأنظمة العمل للأسف تنظر للفرد العامل فقط! وتساوي بين المرأة والرجل في اللوائح جلها عدا إجازة الأمومة وعدة الوفاة. وهي مساواة في غير موضعها.
إنه من حقنا كنساء واعيات نعمل لأجل أمة، لا لأجل حفنة مال تفنى أن نطالب بسن أنظمة تصب في مصلحتنا ومصلحة وطننا ومصلحة أمتنا، لأننا سنسأل من العليم الخبير،،، علّ هذه الرؤية تجد من يتبناها. وعلها تصحح بعض المفاهيم.. فتجعل من عمل المرأة رسالة لا وسيلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: لجينيات
حوسلة المرأة
- التفاصيل