السنوسي محمد السنوسي
كل إنسان ينشأ في مجتمع ما ؛ يعيش في رعايته، وينعم بخيراته، ويستمتع بما يوفره مجتمعه من عوامل الأمن والراحة والسعادة .
ولابد أن يأتي يوم يرد فيه الإنسان للمجتمع بعض هذه الأفضال والخيرات التي سعد بها من قبل.. ثم ينشأ جيل جديد فيعيش في ظل ما قدمه له الجيل السابق.. وهكذا تتواصل الأجيال، وتنمو المجتمعات، وتزدهر الحضارات.
لكن، تخيل معي- أخي القارئ- لو أن كل فرد انكفأ على نفسه، وانطوى على ذاته، وحرم المجتمع والآخرين مما يتمتع به من خيرات... هل في هذه الحالة سيحدث تواصل للأجيال ، أو عمران للمجتمعات؟!
بالقطع لا؛ بل سيحل الشقاء والبغضاء والأنانية بين أفراد المجتمع، ويكون الخراب- أو على الأقل: عدم التماسك والاتحاد- هو مصير هذا المجتمع.. ويالها من حياة تعيسة حينئذ!!
إن الإنسان حين يمنح المجتمع بعضًا من نعم الله وخيراته التي أعطاه إياها، فإن ذلك يُشيع بين الناس قيمةَ الوفاء.. وهي قيمة أساسية لازمة بين أفراد المجتمع وطبقاته.
أبوابٌ للخير مَنسِيَّة:
وقد جاء الإسلام بجملة من التشريعات التي تُشعِر الإنسان بحق المجتمع عليه، وبواجبه نحو البيئة التي نشأ وترعرع فيها.
ففرض الإسلام الزكاة، وندب إلى الصدقة، وشرع الوقف والوصية ليمتد خير الإنسان إلى الناس بعد وفاته، كما دعا الإسلام إلى أن يبذل الإنسان للآخرين مما ملَّكه الله سبحانه؛ سواء كان ذلك علمًا، أو مالاً، أو قوة بدنية، أو كلمة طيبة، أو نصيحة مخلصة، أو إرشادًا للمعروف، بل حتى إعانة الرجل لأخيه على دابته جعلها الإسلام صدقة يُثِيب المرءَ عليها.
فقد روى أبو هُريرة رَضِي اللهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ , وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ" (رواه البخاريُّ ومسلِم).
وروى ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ؛ تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن اعتكِفَ في هذا المسجدِ يعني مسجدَ المدينةِ شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ" (حسَّنه الألباني).
بل جعل القرآن الكريم من صفات المكذِّبين بيوم الدين، أنهم {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (سورة الماعون: 7)، أي: يمنعون إعطاءَ الشيء، الذي لا يضر إعطاؤه على وجه العارية، أو الهبة، كالإناء، والدلو، والفأس، ونحو ذلك، مما جرت العادة ببذلها والسماحة به.. فكيف بما هو أكثر منه؟!
قال ابن كثير: "أَيْ لَا أَحْسَنُوا عِبَادَة رَبّهمْ، وَلَا أَحْسَنُوا إِلَى خَلْقه حَتَّى وَلَا بِإِعَارَةِ مَا يُنْتَفَع بِهِ وَيُسْتَعَان بِهِ مَعَ بَقَاء عَيْنه وَرُجُوعه إِلَيْهِمْ؛ فَهَؤُلَاءِ لِمَنْعِ الزَّكَاة وَأَنْوَاع الْقُرُبَات أَوْلَى وَأَوْلَى".
"الأوقاف".. صانِعةُ حضارتنا:
لقد قامت حضارتنا الإسلامية وازدهرت على "الأوقاف" التي كان يحبسها القادرون والأغنياء على جميع أوجه الخير؛ من تعليم العلم والإنفاق على طلبته، إلى معالجة المرضى وإقامة البيمارستانات (المستشفيات)، إلى سقاية الماء وتوفيره في أماكن السفر والراحة وفي الطرقات (الأَسْبِلَة)، إلى الإنفاق على تحرير العبيد وإعتاق الرقاب، إلى تزويج الشباب ورعاية الأيتام.. إلى غير ذلك من جميع نشاطات الحياة.
لدرجة أن دَوْرَ تلك "الأوقاف" كان يعادل أو يشبه الدور الذي تقوم به بعض الوزارات في نظام الدولة المعاصرة، مثل وزارات المالية والصحة والتعليم.. حتى كانت الدولة القديمة لا تقوم بتنظيم حياة المجتمعات، لأنها تركت ذلك للعمل الخيري الذي تموله "الأوقاف"، بينما تفرَّغ الولاةُ والحكام لحماية الثغور في الخارج، وإقامة العدل وضبط الأمن في الداخل.. وما سوى ذلك من إقامة المساجد ودور العلم والتمريض- وغيرها كما أوضحنا- فقد تكفَّلت به "الأوقاف"، وما يسمى الآن المجتمع الأهلي أو المدني.
ولعل هذه السطور تمثل دعوة لكل واحد منا ليفتش في نفسه عما يمكن أن يُفيد به مجتمعه؛ من كلمة طيبة، أو علم يورِّثه، أو مال يبذله ويوقفه، أو خلق طيب بين الناس يُشيعه..
فذلك حق للمجتمع علينا.. وهو حق قد غاب- للأسف- عن كثيرين في حياتنا المعاصرة، وحان وقت الاستدراك والاعتذار للمجتمع.
نصيبُ المجتمع..حقٌ غائب
- التفاصيل