بقلم: معتز أبو قاسم/ باحث وأديب
لماذا اقرأ؟ من الأسئلة المتعلقة بمصير ووجود، إذن السؤال خطير جد خطير، ومحك وجودك يتأرجح ويدور حول جوابك.
فإن كان جوابك كقول من قال: أَقرأ لأضيع وقتي وأزيح الملل عن قلبي قليلاً، وحتى أنظر فيما جدَّ من أحوال في هذه الدنيا. كنت من الذين لا يقدرون القراءة حقها ولا يعلمون أن «فعل القراءة» مؤذن بقيام أمة أو زوالها.
وما أظن أن أحداً في أيامنا هذه يجهل قيمة القراءة وأهميتها وأولويتها في الشهود الحضاري، لذلك كان حديثي مع من يقرأ ويحب القراءة ولكنه لا يستبين وجهاً حضارياً في القراءة باعتبارها أداة رافعة وبناء ومنهجاً نؤسس من خلاله لصعود نجم الحضارة العربية الاسلامية من جديد كما في سالف دهرها.
فلو أننا تأملنا في قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق».
لرأينا أن القراءة نسق منفتح على أجناس متعددة فلا تقييد ولا تحديد للمقروء، ولا تحديد لاسمه ولا موضوعه وفي لا في أي حقل معرفي هو، ذلك أن القراءة المطلوبة تشمل إطلاق فعل القراءة على شتى أنواع المعرفة وحقولها وأجناسها، لأن كل معرفة تستحق أن تعرف –مع تحفظ على بعضها– وتُبذل في سبيلها الأوقات والأعمار ويسهر من أجل تبينٍ يُبين لنا وجهاً من هذا الكون الذي نحن جزء من معارفه.
ولكن خصوصية المنهج الإسلامي في القراءة تُفسرها الآية الكريمة بأن تجعل للقراءة منهجاً إلهياً، أن تجعل رضى الله تعالى هو الغاية وهو المآل المترتب على القراءة، أي أن تنزع إلى «القراءة المُبلّغة المثمرة/ القراءة العبادية»؛ ذلك أن غاية الخلق موقوف فعلها على عبادة الله، يقول تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، فلما علمنا مركزية العبادة في الوجود الإنساني وعلمنا أن الله أمرنا أن نقرأ دون ان يقيدنا «بمقروء ما كان»، ثبت لدينا أن للقراءة منهج ومطلب وغاية لا يجوز أن تخرج عنها.
إذن إقرأ ما شئت من أدب وتاريخ ولغة وعلوم إلى ما شئت من أسماء لا تكاد تحصر من المقروءات، واصهرها في المنهج الإسلامي للتصور.
هذه القراءة بمعناها الأول وهي التعرف لا تثمر كثيراً وإن كانت تبقيك في النسق الإسلامي للهوية، أي محافظاً على هويتك ضد الذوبان والتماهي والتحلل في الآخر.
ولكن هناك قراءة مهمة أخرى هي القراءة التركيبية التي تنظر إلى المقروء بعين المستفيد منها كأوليات معرفية لا على شكل معارف للاستهلاك قد نضجت واحترقت وما عليك إلا أن تتناولها، فهذه القراءة تهضم المقروء من أجل أن تعيد إنتاج نفسها منطلقة من إرثها الحضاري بكل محمولاته «لغة وثقافة وديناً» وهذه هي القراءة المبتغاة هذه الأيام فالآفاق المعرفية قد اتسعت بشكل كبير ومنها ما لابد من الاطلاع عليه والاستفادة منه وإدخاله كبنية أساسية في الجسم الحضاري الذي ننتمي إليه.
لذلك كان أجمل ما في إسلامنا «المنهج» الذي يصوغك وينتجك فواقعيته وحركيته ومرونته تدل على أنه مفارق للمنهج الإنساني المجرد المشروط بزمانه ومكانه وقدراته العقلية المحدودة.
اخلط نفسك بالعربية والتاريخ والجغرافيا والفلسفة والعلوم البحتة –كما تسمى- والمنطق والسياسة والأدب والنحو واللغة والتفسير والفقه وأصوله وعلم الكلام والسيرة والسير وعلم الاجتماع وعلم والنفس والروايات والقصص والشعر والنقد، مع ما تملكه من بوصلة إلهية دقيقة تقبل بالنسبي متى امتنع المطلق، ثم أقدم إقدام الكمي لا يخاف.
تعلم يــا فتى و العود رطبٌ
وطينك لــينٌ و الطبـــع قابـــل
فحسبك يا فتى عزاًّ وفخراً
سكوت الحاضرين وأنت قائل
شيء حول القراءة.. سؤالٌ عمادٌ
- التفاصيل