عمر السبع
أطفالنا واكتساب القيم
إن الطفل يكتسب منظومة القيم التي تحرك حياته من البيئة الاجتماعية التي تحيط به، سواء البيئة الداخلية أو الخارجية سواء كانت المجتمع الصغير الممثل في أسرته وعائلته، أو المجتمع الكبير بكل أفراده ومؤسساته التعليمية والدينية والإعلامية وغيرها.
وبغض النظر عن كون هذه القيم التي تعلَّمها صحيحة أم خاطئة، دافعة أم معوقة؛ فالمهم أن لكلٍّ منا وسائله في اكتساب القيم، ويجب علينا أن ندرس هذه الوسائل حتى نستطيع التحكم فيها والاستفادة منها في تربيتنا القيمية.
وقد تحدثنا في مقال سابق عن ثلاثة من الوسائل التي تسهم في تشكيل إدراك وقيم الطفل منذ سنوات عمره الأولى، لقد تحدثنا من قبل عن:
الثقافة المجتمعية.
الأسرة.
المنهج الخلقي.
وفي هذا المقال نستكمل الحديث عن بقية الوسائل، وهي:
الرفقاء.
الإعلام.
الرفقاء:
إن الرفقاء من أخطر الوسائل التي تسهم في تشكيل قيم طفلنا لاصغير، حيث أنها عامل مؤثر للغاية في بيئة الطفل، وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) [رواه أبو داود وحسنه الألباني].
إن الطفل ينطلق بطبيعته بحثًا عن تكوين العلاقات الاجتماعية، يشغله جدًا أن يكون محبوبًا من الآخرين، ومتقبلًا بين أصدقائه، إن ذلك كله يدفع الكثير من الأطفال في بعض الأحيان إلى أن يكتسبوا مجموعة من القيم والسلوكيات التي يحوزون بها التقبل الاجتماعي داخل مجتمع أصدقائه.
يقول عبد الحميد الصيد الزنتاني: (تعتبر جماعة الرفاق من الأوساط التربوية المهمة في حياة الطفل؛ إذ تتحول ميوله مع تقدم عمره من الأسرة إلى جماعة الرفاق، وذلك بسبب تقارب العمر، وحب الاستقلال عن الأسرة، فيبدأ الناشئ بتكوين علاقات مع رفاقه داخل عائلات أسرته أو رفاق الحي الذي يسكنون فيه؛ فتؤدي به هذه العلاقات إلى مجاراة ما يسود بينهم من قيم ومعايير.
وتعد جماعة الرفاق من أهم الوسائط تأثيرًا على قيم الفرد الأخلاقية، ولقد اهتم بها الإسلام اهتمامًا كبيرًا، حيث تجد توجيهاته واضحة وجلية في دعوة الآباء والأمهات والمربين إلى العناية بتوجيه أبنائهم إلى اختيار رفقائهم من الأخيار الصالحين؛ دينًا وخلقًا وسلوكًا حتى يقتدوا بهم، ويكتسبوا منهم الصفات الحميدة والخلال الفاضلة، وأن يجنبوهم مخالطة الأشرار؛ حتى لا يقلدوهم ويسلكوا طريقهم المعوج) [أسس التربية الإسلامية في السنة النبوية، عبد الحميد الصيد الزنتاني، ص(776)].
الإعلام:
(وتعتبر وسائل الإعلام ذات أهمية كبرى في حياة الإنسان في هذا العصر؛ وذلك لأنه لم يعد الإنسان المعاصر قادر على الاستغناء عن زاد يتزود به يوميًّا من المادة الإعلامية، سواء أكانت مسموعة أو مقروءة أو مرئية، وتقوم وسائل الإعلام بدور كبير في عمليات التثقيف والتعليم والتوعية، وقد يكون لها تأثير سلبي أو ضار إذا ما هيأت الأذهان) [التربية الأخلاقية، إبراهيم الناصر، ص(29)].
ومن المشاهد أن وسائل الإعلام في عصرنا الحالي أصبحت من أكثر الوسائل تأثيرًا على تربية الطفل وتنشئته، خاصة مع إدمان الأطفال لأفلام الكرتون، والتي تحتوي ـ مع الأسف ـ في كثير من الأحيان على مجموعة من القيم بعيدة كل البعد عن قيمنا الإسلامية، وذلك كله في ظل غياب الأفلام الكرتونية الهادف التي تسهم في بناء القيم والسلوكيات الصحيحة في نفوس الأطفال.
(ويلاحظ من مجمل الدراسات عن تعرض الأطفال للتليفزيون، أن الأطفال في الدول المختلفة يقفون فترات أمام التليفزيون تزيد عن المساحة المخصصة ضمن فترات برامجهم الخاصة؛ وهذا يعني أنهم يتعرضون لبرامج وأفلام ليست معدة لهم، وفي هذا غالبًا خطورة وأضرار على قيمهم واتجاهاتهم) [ثقافة الأطفال، هادي نعمان الهيتي].
كيف يؤثر الإعلام في غرس القيم؟
(ويختلف تأثير وسائل الإعلام حسب الحواس التي تخاطبها كل وسيلة منها، ويكون أشدها تأثيرًا ما يخاطب البصر والسمع معًا؛ مثل: التلفاز والفيديو والسينما والمسرح.
وتوضح الإحصائية التالية سهم كل حاسة من حواس الإنسان في وصول المعلومات إليه:
· يحصل الإنسان على 75% من المعلومات عن طريق البصر فقط.
· يحصل الإنسان على 13% من المعلومات عن طريق السمع فقط.
· يحصل الإنسان على 88% من المعلومات عن طريق السمع والبصر معًا.
· يحصل الإنسان على 6% من المعلومات عن طريق اللمس فقط.
· يحصل الإنسان على 3% من المعلومات عن طريق الشم فقط.
· يحصل الإنسان على 3% من المعلومات عن طريق التذوق فقط.
وقد ثبت أن 70% من الصور التي تتكون في أذهان ووجدان الأبناء مستمدة من وسائل الإعلام (1995م).
ويعبِّر هوفمان ـ الباحث النفسي ـ عن أثر وسائل الإعلام في الأبناء بتعبير بليغ، مفاده: (الأبناء أمام أجهزة الإعلام كقطعة أسفنج تمتص كل ما تتعرض له).
ولكي نقف على مدى هذا الأثر وخطورته؛ نتابع تحليل أحد المتخصصين (شرام وزملائه)، لبث أربع محطات مختلفة في أسبوع واحد فقط:
· صور متحركة بنسبة 18%.
· أفلام غربية بنسبة 13%.
· أفلام جريمة بنسبة 11%.
· أخبار بنسبة 7.7%
· أفلام فكاهية مثيرة بنسبة 5%.
· مغامرات بنسبة 3%.
· أفلام سياحة بنسبة 3%
.· تمثيليات درامية بنسبة 1.5%.
· موسيقى بنسبة 1.25%.
ومجموع ساعات هذا البث بلغ مائة ساعة؛ احتوت على الآتي:
· 12 جريمة قتل.
· 16 معركة بالسلاح.
· 21 مصابًا.
· 21 عملية عنف.
· 27 منظر صراع.
· 4 حوادث سقوط.
· 4 حوادث سيارات.
وأحصى إبراهيم إمام ـ عميد سابق لكلية الإعلام ـ ما يُقدم للأطفال؛ فوجد 49.6% من مجموع ما يُقدم يتناول موضوعات جنسية، و27.4% من مجموع ما يُقدم يتناول موضوعات عن الجريمة، و15% من مجموع ما يقدم موضوعات عن الحب والجنس معًا.
والخلاصة أن الإعلام يلعب دورًا بارزًا وخطيرًا في عملية غرس القيم والتأثير في وجدان الأبناء، ومن ثَم في سلوكهم، وأبلغ دليل على ذلك تلك الدراسة التي أوردت بعض نماذج لأطفال قاموا بارتكاب جرائم وأفعال على سبيل التقليد لما شاهدوه من أحداث عبر التلفاز؛ ومن هذه النماذج:
· (قام بعض التلاميذ في القاهرة بإشعال النار في المدرسة بخطة مرسومة، وأوضحت التحقيقات أنهم قلَّدوا أحد الأفلام.
· طاردت تلميذة في المنصورة مدرسها لتتزوجه، وادَّعت أنه اغتصبها؛ أسوة بما حدث في أحد الأفلام!
· ألقى تلميذ في الإسكندرية بنفسه من الدور الثالث؛ مقلدًا بطل أحد الأفلام الهندية) [مستفاد من مقال على موقع كنانة أون لاين].
وهناك الكثير والكثير من الإحصاءات، ولكن كان الهدف من هذا المقال هو دق ناقوس التحذير والانتباه إلى أهمية الوسائل التي ذكرناها في تنشئة الطفل وغرس القيم وضبط السلوك، فلننتبه جيدًا، وما زال الحديث مستمرًا مع القيم وكيفية غرسها في نفوس أطفالنا..
أطفالنا... الأصدقاء والإعلام
- التفاصيل