رانية طه الودية
شئنا أم أبينا لقد أصبح التلفاز جزءاً من حياتنا اليومية. ولا يكاد يخلو منه بيت. لما تصدره من مكانة تجمع بين التسلية والتثقيف. فهو نافذة تُطلنا على العوالم من حولنا.
ومن الطبيعي أن دخوله في عالم الأسرة قد غير الكثير من أساليبها المعيشية وتفاعلها الاجتماعي حتى داخل الأسرة.
ولا تكمن المشكلة في وجوده، فهو كغيره من الوسائل الحضارية، فهو سلاح ذو حدين، نستطيع تسخيره لننتفع منه. أو نكون نحن مسخرين له بإدماننا على ما يقدمه بشتى أنواعه.
وإن كان الإدمان عليه مصدراً ينذر البالغين بالخطر. إلا أنه أشد خطورةً على الأطفال. و قبل سرد مخاطره عليهم. علينا أن ندرك أولاً ما معنى أن يكون الطفل مدمناً على التلفاز؟
إن الإدمان التلفزيوني كغيره من أنواع الإدمان، يجلب السعادة الزائفة لمن يجعل المتعة هدفه الذي لم يتمكن من الوصول إليه في الحياة الواقعية. و يعمد لتحقيق ذلك إلى مشاهدة كل ما يعرض دون انتقاء أو تفضيل، حتى أن بعض الأطفال يشاهدون بعض البرامج والأفلام بصورة متكررة مع علمهم بأحداثها وما سيكون. لكنهم تحت سيطرة الإدمان والبحث عن المتعة يواصلون المتابعة في كل وقت وبحرص واهتمام. فمثلهم كمثل مدمن الكحول الذي لا يهتم بمذاق ما يشرب. وكذلك هذا الطفل المدمن لا يهتم بنوعية ما يشاهد فالمهم المشاهدة.


إن تأثير هذا الإدمان التلفزيوني على أطفالنا يمكن تقسيمه لقسمين:
-    الأطفال دون سن المدرسة وهم الأقل من ست سنوات.
-     والأطفال في سن المدرسة وحتى سن قبيل المراهقة.
فالأطفال دون سن المدرسة لديهم حاجات نفسية، لابد من العناية بها، ليكون نموهم النفسي بالشكل الجيد. وأهم تلك الحاجات هي التفاعل الاجتماعي عن طريق اللعب والحوار لتنمو حصيلتهم اللغوية، وليكون خيالهم الإبداعي خصباً. وهذا لا يتم إذا أهمل الوالدان حوارهما وتفاعلهما المباشر للطفل. وتفاعله مع الأطفال الآخرين، عن طريق اللعب الذي يتضمن اللعب الإيهامي الخيالي كأن تلعب الطفلة بالدمية، وكأنها مخلوق تنبض به معالم الحياة. ويلعب الطفل بالعصا وكأنها سيارة تمشي. وذلك كله يكاد يكون في مساحة ضيقة أو شبه معدومة مع الإدمان التلفزيوني، لأنه يثير خيالاً من نوع آخر أشبه بأحلام اليقظة، تمنح الطفل نشوةً في تقليده لما يشاهده. وكأنه بطل أسطوري كما رآه في الشاشة.
وتظهر المشكلة بشكل جلي عندما يكون الوالدان هما سبب ذلك الإدمان، عندما يدفعان بالطفل ليجلس ساعات على الجهاز؛ طلباً لقضاء بعض الوقت لراحتهما. أو بحجة أن يتعلم الحروف والنطق ويستفيد من بعض القصص. مع أن الدراسات الحديثة أثبتت أن الأطفال في هذا السن لا يستطيعون استيعاب إلا أقل من نصف ما يُعرض عليم من برامج؛ نظراً لكونهم متلقين فقط بطريقة سلبية غير متفاعلين. ولكون ذاكرة الكثير منهم لا تتسع للصور المتلاحقة السريعة التي يتم عرضها.
وقد أظهرت التجارب أن الحرمان من تنمية القدرة اللغوية في هذا السن، قد يترك أثره على الطفل في سنوات عمره التالية؛ نظراً لأنه السن المناسب الذي يكون فيه الطفل على أتم الاستعداد لتنميته من قبل المحيطين به بتفاعله معهم. وذلك النمو اللغوي لن يكون بالشكل الجيد، في حين طابق الواقع بعض الدراسات التي تتحدث عن أن أطفال ما قبل المدرسة يمضون ما يقارب ثلث يومهم في مشاهدة التلفاز!
أما تأثيره على الأطفال في سن المدرسة، فيتمثل أهمه في إضاعة أوقاتهم، وصرفهم عن التفاعل مع الأصدقاء مما يولد لديهم نقص في المهارات الاجتماعية، فينشؤوا أكثر تحفظاً وخوفاً في تفاعلهم الاجتماعي. كما أنه يجعلهم خاملين ومتلقين سلبيين، خاصة إن رافق مشاهدتهم بعض الأطعمة للتسلية مما يجلب السمنة للطفل والأمراض المرافقة لها.
كما أننا لا نستطيع إغفال تأثيره على التحصيل الدراسي لما يلتهمه من وقت كان من الأجدر استثماره بالمذاكرة. بالإضافة إلى لجوء الطفل للسهر بدلاً من النوم الباكر، وكل ذلك له أثره البالغ على تحصيله الدراسي.

 

JoomShaper