عبد الرحمن سعيدي
لا أريد أن أتحدث عن أهمية التربية وضرورتها في بناء الشخصية وتوازن المناضل في عملية البناء الوطني ليكون فردا صالحا يحافظ على دينه ولغته ووطنه ولا يتطرف ويغالى في كل شئ يعتمده في حياته السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها فالأهمية يدركها أغلب المنتسبين للحركة لكن الذي غاب عنا هو  الواقع الذي تنطلق منه التربية والمناخ الجماعي والنفسي التي تتحرك فيه العملية التربوية إن كانت موجودة بكل أركانها ووسائلها وأنواعها والغائب الأكبر هو إرهاصات انعدام التوفيق والتوافق بين الدعوة والسياسية والتربية والتنظيم  والحزب والجماعة وبين السيادة الوطنية والانتماء الحضاري والفواصل بين الحريات الفردية والجماعية "أين يبدأ الفرد وأين تنتهي الجماعة ؟" قول عمر رضي الله عنه "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " فالناس جاءوا إلى الحركة أحرارا بإرادات حرة فلا يحق للمنظومة التكوينية والتربوية أن تجعل منهم نماذج مسلوبة الإرادة والإبداع والتفكير والإصلاح وقوم تبع .."

الواقع ذلك الغائب الأكبر؟
القائمون على التربية عندنا يجتمعون بإخلاص ويعملون بحماسة ويخططون ويبرمجون منذ فترة والحصيلة بعد كل مرحلة عند التقييم والمعاينة ورفع الحالة أن التربية لم تفلح في وضع حد للإنشقاق والتسيب والإهمال وقلة العمل والأنانية الحزبية والشخصية والتنافس في الترشح وما حوله من سلوكيات الطعن والجرح وقذف الأعراض وتناولها في بعض لقاءات التربوية والكولسة أو ماأسماه أحدهم في مقال " الغيبة الشرعية"

والتجسس والتحسس والقيل والقال والسعي للمصلحة الخاصة والتموقع بتخط الرقاب

فتلاوة القرآن والذكر قلّ والروحية في المنزع والسلوك فترت لقاءات التربوية ترهلت وصارت صورية مع قلتها واللقاءات الودية والتقاربية رغم وجود الظروف المشجعة لها تضاءلت و منها لقاءات التغافر بالأعياد وغياب التواصل القيادي مع القواعد

ونضيف إليها صعوبة الحياة اليومية والمظاهر الاجتماعية والسلوكية السيئة وتأثيرها على بيوتنا وأنفسنا ومعاشنا ومحيطينا والانسياق في مسار الحياة العامة المطبوعة بالاستقالة السياسية والاجتماعية في صناعة المستقبل

ومنسوب القيم والأخلاق في المجتمع غير كاف لتحصين المجتمع من الانحراف والمعتقدات المشبوهة والضالة وذلك بسبب تدني الضخ الدعوي والإرشادي في المجتمع

وكثير من قيادات وأبناء الحركة الإسلامية في المجتمع وعلى شبكات التواصل الاجتماعي يسبون ويشوهون ويطعنون بعضهم بعضا ثم يبشرون الشعب بحتمية المشروع الإسلامي  "نعم المشروع حتمية اجتماعية في استقرار وتوازن المجتمع لكن بعض الإسلاميين بهذه الممارسات والسلوكيات والتصورات ليسوا حتمية بل هم عائق في طريق المشروع وعقبة معطلة  له"

و من هنا يظهر لي أن التربية تتحرك في واقع ورقي ونظري أو واقع غير محكوم الأوجه والأطراف والمضمون أو واقع سطحي يتسم بالمظهر

التربية لا تتحرك بمنتحل صفة المربي  والتربية لا تنمو في فرد يطعن ويسب ويسعى بالمفسدة بين إخوانه ويسعي لمصلحته الشخصية بكل عدوانية وخبث

فالواقع هو الغائب الأكبر في البناء التربوي داخل الحركة .

المناخ الجماعي والنفسي

عندما نطلق عبارة الجماعة نريد العلاقة الروحية والتواصل الوجداني بين أفراد الجماعة الذي يضفي سمت وإحترام وإنسجام فهي أقرب للعلاقة الأسرية من أي علاقة أخرى .فالمناخ التي تفرزه الجماعة هو التعاون والتكامل والتضامن والرحمة ونبذ الحقد والتنافس المشئوم والإقصاء والاستعلاء

والجماعية تنتج نفسية فيها الارتياح والاطمئنان فمن دخل الحركة فهو آمن على رأيه وفكرته ومستقبله فلا ينقاد للهوى والإعجاب بالرأي وذاتية ولا يغرر به ولا يدفع في مقاصد غير مقاصد دعوته وحركته فتكون له نفسية الخائف والمتوتر والغافل والمتردد

فيجب أن يدفع نحو نفسية المؤسسة وتنمى فيه العقلية الشورية والفعل الديمقراطي

فمن هنا نجد ان المناخ النفسي والجماعي الراهن لايتيح المجال الكافي لممارسة العملية التربوية بشكل يحدث تغييرا على مستوى السلوك والممارسة

مادام التنافس المشئوم قائم ومستفحل والإقصاء والتعصب وقلة التكافل والتضامن والحس الوجداني الجماعي فاتر ولقاءات الجيبية النتنة التي تفوح منها رائحة التفرقة والمفسدة والغل والغدر بالصف والمشروع

وظهور الحزبية المقيته والنقابية الإنقلابية  فهذا المناخ قائم يدركه أغلب العاملين فهو يهددنا جميعا فإن لم نتحرك لتقويضه فسيدمر أخلاقنا ووجودنا السياسي والدعوي ولا يبقى لنا أثر في المجتمع

فالتربية يجب أن تدرك هذا الغائب في معادلات التكوين والتنشئة التي نعتمدها  فتركز على تنقية الأجواء ولا تبرر المخالفات الشرعية والأخطاء القاتلة فالتربية لا تنتعش في مناخ يطبعه التلوث والذبذابات التنغيس والإزعاج شعارنا  قوله صلى الله عليه وسلم " قل أمنت بالله ثمّ إستقم " وشعار دعوتنا "أصلح نفسك وأدع غيرك " وقوله عليه الصلاة والسلام "المسلم من سلم الناس من  لسانه ويديه  "

غياب الحسم في الفواصل الكبرى

تشكلت من خلال مسيرة الحركة عبر المراحل المختلفة والظروف المتنوعة والمتعددة والتطورات التي حدثت على مستوى الفرد والحركة مسائل ثنائية كبرى تحتاج منا أن نحدد فيها الفواصل لكي لا تشكل فينا خلط وتعارض فتتيه النفسية والشخصية وتحدث فينا إرباك فكري عميق فينحرف التصور وتضمحل الهوية الحركية فلا نعرف من نحن ؟ والمرحلة التي نحن فيها تتعرض الهوية الفكرية للاضطراب والخلل فعندما أتابع ما يكتبه الفايسبوكيون من أبناء الحركة وما يقال عنها لا أعرف ملامح الحركة التي يتحدثون عنها ولا أرى كثيرا ما يعبر عن هويتها وتصورتها ومرجعيتها بل حتى الاستشهاد برموزها  المؤسسين لها غير موجود

من هذه المسائل الثنائية التي تحدثنا عنها وأحدثنا لها ورشات وورقات وصلت حتى المؤتمر ولم تكن لنا الإرادة الكافية والمسؤولة في حسمها هي الدعوي والسياسي كذلك ثنائية الحزب والجماعة فعند الترشيح تغلب الحزبية علينا  بكل أبعادها حتى التآمر والنيل من الآخرين وعند انعدام المطامع تظهر مفاهيم الجماعة وتخرج رسالة ألتعاليم وأركان الدعوة فيجب إيقاف هذا الإنفصام على مستوى الفهم والفكر لكي لا تتعدد الشخصية عند الفرد في الحركة فتصعب وتتعسر العملية التربوية داخل الحركة

فعلى القائمين بالتربية ونحن جميعا أن نحسم الفواصل في الثنائيات الكبرى الدعوة والسياسية – التربية والتنظيم – الحزب والجماعة – والسيادة الوطنية والإنتماء الحضاري

فإن تحركت التربية بدون أن تأخذ هذا الغائب بعين الاهتمام والدراسة فهي تربية واهنة وواهية ذاهبة للهاوية مع الأسف الشديد  .

ــــــــــــــــــــــــــــــ

مجتمع السلم

JoomShaper