عبد العزيز الخضراء
هنالك مجموعة من الأساسيات التربوية التي يجب على الآباء تدريب الأبناء عليها منذ الصغر، من خلال شحن الجو الأسري بجرعات تعليمية واقعية، توثق لدى الطفل منذ سنين عمره الأولى هذه المعاني، ومن بين هذه الأساسيات ما يلي:
- عدم إيقاع الأبناء في حيرة من أمرهم: وذلك بسبب تناقض الوالدين؛ فتجد بعض الآباء والأمهات يقولون ما لا يفعلون، فيجب على الوالدين أن يعلما الأبناء ويطبقا في الوقت نفسه ما يعلموهم إياه حتى يترسخ المبدأ في أذهانهم.
- إخبار الجيل الناشئ بحقيقة الأمر، وتوضيح طريق الخير والشر لهم، لأننا إذا سكتنا فقد يتعلمون من خلال الأصدقاء أو القنوات وغيرها معلومات مشوهة وغير سوية.
- تقوية الوازع الذاتي: أي نربي لديهم محبة الآخر والحرص على كسب محبة الآخرين ورضاهم، كما يجب أن نترك لهم مساحة واسعة من الحرية؛ لأننا إذا ضيقنا عليهم فسيسعون للخلاص من الأهل ويتهمونهم بالسيطرة والانغلاق، كما يجب دائما على الأهل التكلم مع أبنائهم بلغة الناصح الودود، لا بلغة تتصف بالأوامر والتعليمات، بل الحرص على إقامة علاقة صداقة معهم وتواصل واحترام متبادل مبني على الحوار الذي يولد القناعات.
- تقديم البدائل: مفهوم حيوي في التربية أن نعوّد أبناءنا على الاختيار بين بدائل عدة، فلقد انقضى عهد الإجابات الجاهزة والحلول المفصلة التي نمليها على أبنائنا.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفرض على أبنائنا أسلوب حياتهم، وأن نختار لهم أي سبيل يسلكونه. إن عملنا الأساسي هو تزويدهم بالقيم الصحيحة وتعريفهم بالصواب والخطأ، وما هو مقبول وما يجب تحاشيه، والأهم أن نترك لهم مسؤولية الاختيار. فلا مكان لتربية تقوم على الإرهاب أو الزجر، بل لا بد أن يتدرب أبناؤنا منذ نعومة أظفارهم على الاختيار في أيسر الأمور مع تقويم هذا الاختيار.
ومن المهم كذلك أن يعبروا عن آرائهم وميولهم واهتمامهم بحرية تامة، وإعطاء الأبناء المسؤولية في الاختيار، هو الأساس الذي سيكسبهم القوة والعزيمة في مواجهة كل ما يخبئه لهم هذا المستقبل المليء بالمفاجآت الثقافية والاجتماعية والسياسية.
- التشجيع على طرح الأسئلة: يعد التساؤل والنقد الأساس الأول في تكوين شخصية حرة مسؤلة قادرة على اتخاذ القرار. فما الفائدة التي تعود علينا إذا ما قمنا بكبت أسئلة أبنائنا أو ألغينا عقولهم، وحرمنا عليهم نقد كل ما يدور حولهم من أمور تتحدى تفكيرهم سواء داخل الأسرة أو خارجها في المجتمع.
إن علينا أولا أن نعيد تربية أنفسنا كآباء وأمهات، حتى يتسنى لنا إجراء مناقشات مثمرة مع أبنائنا، مناقشات تنمي عقولهم وتدعم إحساسهم باستقلالهم في الرأي، وعلينا أن نطبق معهم مبدأ "قبول الآخر" وأن نتخلى عن غرورنا.
ومن المهم أن ندرك أن من حق الابن أن ينقد كل شيء يدور حوله، ويثير لديه الشك أو التعجب ما دام ذلك يتم باحترام ومراعاة لسلوكيات الحوار البناء. ومن حقه أيضا أن يتحدث معنا عن بعض أخطائنا، فنحن كآباء لسنا معصومين من الخطأ، من حقه أن يحصل على ثقافة تمس جميع أمور الحياة.
- التعلم بالخبرة: الكثير من الآباء يعتقدون أنه من الأفضل أن يقدموا لأبنائهم خلاصة تجاربهم جاهزة، فيوفروا عليهم الجهد والتعب وسنوات العمر. ولكن في واقع الأمر لا يقتنع الأبناء بكثير من هذه النصائح، ما لم يمروا بالخبرة بأنفسهم، ويخرجوا بنتائجهم الخاصة التي تصبح فيما بعد جزءا محفورا في شخصيتهم.
ولا بد أن نعترف أن خبراتنا مختلفة تماما عن خبرات أبنائنا، وأن هؤلاء الأبناء يعرفون الكثير مما نجهله. ويعني ذلك أن نسمح لهم بقدر الإمكان بالمرور بالكثير من الخبرات حتى ولو ترتب على هذا بعض الخسائر اليسيرة. فمرور الابن بالخبرة تحت نظر الوالدين أفضل من مرورهم بالخبرة نفسها وهم متوارون عنهم، مفتقدون لنصيحة الخبراء والحنان الذي يحتاجونه عند النجاح أو الإخفاق في أي تجربة.
- التعلم من خلال حل المشكلات: ويأتي مبدأ التعلم من خلال حل المشكلات كإحدى الوسائل التربوية التي يمكن أن نستخدمها لندعم تربية أبنائنا. فعلى صعيد التربية الأسرية، يعني هذا المبدأ التخلي عن المفهوم التقليدي الذي يرى أنه من الأفضل أن نعزل أبناءنا عن مشاكل تفوق مستواهم العمري والعقلي ونتركهم وشأنهم ليمارسوا ما يتماشى مع أعمارهم من نشاطات وخبرات.
وفي واقع الأمر، فان إقصاء الأبناء عن المشاكل الحقيقية في الحياة، يفقدهم الشعور بالثقة بالنفس، كما يعطيهم مفهوما سطحيا عن الحياة، ويهزمون في أول لقاء لهم مع متاعبها وأهوالها.
- الاعتراف بالأخطاء: من الأخطاء الشائعة الموروثة التي يقع فيها الآباء محاولة الظهور أمام أبنائهم بمظهر الشخص المعصوم من الخطأ، الصائب القرارات، المنزه عن أي اعتراض.
والكل يعرف أن هؤلاء الآباء كانوا فيما مضى شبابا يعانون ويمرون بمثل ما يمر به أبناؤهم من أخطاء. إن الكثير من الآباء والأمهات قد أخطأوا في كثير من القرارات التي اتخذوها فيما مضى. بل إن كثيرا منهم ما يزالون يرتكبون أخطاء كثيرة في حياتهم اليومية. وفي المقابل، فإنهم يحرّمون على أبنائهم مناقشة أي من هذه الأخطاء أو حتى مجرد ذكرها.
وتؤكد كثير من الخبرات والبحوث التربوية أن كثيرا مما يعانيه المراهق من أزمات يعود إلى هذا السد المنيع بينه وبين والديه. هذا السد الذي يفرض عليهم احتراما مزيفا لا يقوم على الاقتناع والاعتراف بالطبيعة الإنسانية بكل ما تحمله من ضعف وقصور. والنتيجة الوقوع في الأخطاء وعدم الاقتناع العميق بكثير مما يتحدث به الوالدان من مثل وقواعد لا تنزل لمستوى المراهق ولا تعكس ما يجري حوله.
- الإنصات الجيد: والإنصات لا يعني مجرد أن نفتح آذاننا للمراهق؛ فهو هنا يعني في جوهره اللقاء بين القلوب والعقول الذي يحاول فيه الوالد أن يحاكي مستوى المراهق وأن يعبر عن مشاعره حتى ولو شابها التناقض والخطأ.
ليس عيبا أن نخطئ، ولكن العيب أن يظل هذا الخطأ سرا مكتوما في نفوسنا لا نراه إلا على صفحات المجلات والمواقع الإلكترونية. أخطاء بشعة وقع فيها الأبناء لأنهم لم يجدوا من يستمع لهم بحب بدون نقد أو تجريح أو تقريع. إن تدارك الخطأ منذ البداية أسهل بكثير من تداركه بعد تفاقمه ووصوله إلى حدود لا يمكن أن يقبلها عقل شخص عاقل متزن، بحيث يصبح من الصعب تلافي آثاره السلبية.
وسائل تدعم تربية الأبناء
- التفاصيل