منى أبو صبح
لمست عائلة الطفل رامي (10 سنوات) شغف صغيرها وتعلقه الشديد بالموسيقى، من خلال آلة الأورغ المتوفرة في المنزل، فبمجرد سماعه أغنية ما يقوم بعزفها بسلاسة وإتقان، كما انه يستخدم أدوات المطبخ البسيطة لإحداث إيقاع الطبلة لأغنية ما.
توجه رامي لأحد المعاهد الموسيقية للتدريب على الآلات الموسيقية، وطلبت الوالدة من الأساتذة تعريفه بمبادئ وقواعد الموسيقى، ومن ثم تنمية موهبته بتعلم "النوتات" في الأيام القادمة، والعزف على جميع الآلات الموسيقية.
يقول رامي "وقعت في حيرة من أمري بادئ الأمر، كوني أميل للموسيقى بجميع آلاتها"، متابعا "لكن الأساتذة نصحوني بإتقان إحدى الآلات ثم الانتقال إلى الأخرى".
ومن خلال التجرية تعلم رامي أن العزف يحتاج لكثير من الصبر، فأصر أن يتقن اللعب على الآلات واحدة واحدة ويطبق ما يأخذه في المعهد بالبيت".
في داخل كل طفل موهبة أو ميزة خصه الله بها دون غيره من أقرانه، حتى إذا ما توافرت البيئة المواتية والعوامل المساعدة، يخرج هذه الطاقة الدفينة أو الملكة المكبوتة التي تعلن ولادة موهبة تلفت انتباه المحيطين به.
وحتى تبرز موهبة الطفل يحتاج لدعم الأهل، وصقل موهبته وتطويرها، فبعض الأسر تشجع هذه الموهبة وتدفعها للمسار الصحيح، وفي المقابل وللأسف هناك بعض الأطفال تبقى الموهبة دفينة داخلهم لا تجد النور.
الطفلة داليا شعبان في الصف الثاني الابتدائي، اختارت موهبتها في الرسم، تقول والدتها "لاحظت وزوجي ميل داليا نحو الرسم منذ صغرها، وحبها الشديد للتلوين في أغلب الأوقات"، مضيفة "لاحظت أنها تحظى بتشجيع معلمتها في المدرسة، وأسعى دائما لإطلاع الأقارب والأصدقاء على اللوحات التي تخطها أناملها، ما يشعرها بثقة وسعادة كبيرة".
وتتابع "نؤمن لداليا كل ما يلزمها من ألوان وكراسات رسم وكرتون وغيرها من أدوات، كما أنها تميل جدا لاستخدام الألوان المائية، وتتعرض ملابسها للاتساخ، لكن هذا لا يمنع من دعمها وحثها على مواصلة الموهبة المفضلة لديها، فأنا على يقين أنها ستصبح فنانة في المستقبل".
وحتى تتجلى صور الإبداع في هذه الموهبة قررت العائلة أن تسجل ابنتها في العطلة الصيفية القادمة بأحد المراكز التي تنمي مهارات الرسم والفنون، إلى جانب مشاركتها بإحدى المسابقات الفنية للرسم هذا العام.
تشير رئيس قسم العلاقات العامة في مركز زها الثقافي نبيلة جاموس إلى أهمية وضرورة الالتفات لقدرات الأبناء ومواهبهم والاستفادة من طاقاتهم الإبداعية، فيجب مساعدتهم على اكتشاف هذه الطاقات وتوجيهها حتى لا تضيع، لذلك اعتاد مركز زها الثقافي على مساعدة الأطفال على تحقيق هذا الهدف، من خلال البرامج المفيدة التي يقدمها سواء في العطلة ما بين الفصلين أو الصيفية، وبرامجه المتعددة على مدار العام.
وتبين أن المركز يفتح أبوابه للأطفال في العطلة الشتوية أيام السبت ويوميا في الفترة المسائية، فلديه برامج ونشاطات مختلفة من أجل خدمة الأطفال وتنمية مواهبهم فمنها الرسم والتشجيع على القراءة والكتابة، والحصص الموسيقية التي ترقى بالذوق الموسيقى لدى الطفل، وتعليم اللغات حسب ميول الطفل وموهبته.
وتنصح جاموس الأهل بمتابعة مواهب أبنائهم وتوجيهها، والالتحاق بالمراكز والمعاهد التي تنمي هذه المواهب، وتشدد على أهمية الالتزام بحضور الطفل لهذه الدورات والتقيد بالمواعيد المخصصة لها، وتشجيع أبنائهم المتواصل بالمهارات الجديدة التي تصقل موهبتهم وتنميها.
الأربعينية أم فيصل اكتشفت فجأة أن ابنها من محبي القراءة، فرغم صغر سنه (أحد عشر عاما) إلا أنه يقضي وقت فراغه في مطالعة الكتب العلمية والثقافية.
تقول أم فيصل "إن القراءة مسألة حيوية بالغة الأهمية لتنمية ثقافة الطفل، فعندما نحبب الأطفال في القراءة نحث فيهم حب البحث والاطلاع والكشف، وكل ذلك يوسع مداركهم، وينمي شخصيتهم، فحب القراءة يحقق للطفل أشياء كثيرة".
ولتعزز هذه الهواية لديه وتزيد من إبداعه لجأت أم فيصل لتوفير كل ما يريده ابنها من كتب وبمختلف المواضيع، وهو ما رأت فيه "تنمية لحب اكتشاف عوالم جديدة، ويقلل مشاعر الوحدة والملل".
التربوية ومديرة إحدى المدارس الحكومية، د. أمل بورشك تعتبر الأسرة البيئة الأساسية التي يمارس فيها الفرد حياته، وتشكّل شخصيته الوجدانية والعلمية، ويستمد منها ملامح شخصيته في المستقبل، من هذا المنطلق تأتي أهمية دور الأسرة في اكتشاف موهبة الطفل وضرورة توفير وسائل الرعاية اللازمة له لتنمية قدراته وإمكاناته.
وتضيف بورشيك إلى جانب تهيئة جو إبداعي وحياة متوازنة بين العقل والجسد لاكتمال الموهبة بداخله وتوظيفها لخدمة البشرية، خاصة إذا علمنا أن الموهوب شخص يحتاج إلى رعاية خاصة تكفلها الأسرة والمدرسة، حتى يتمكن من تفجير طاقاته والوصول لمرحلة الإنجاز والتميز.
للأسف نجد كثيرا من الأسر تفتقر للخبرة في التعامل مع الموهوب بسبب قلة التدريب وندرة الهيئات المتخصصة في التربية، وفق بورشك التي تشير إلى أن المدرسة عليها أن تساعد أولياء الأمور على استيعاب موهبة الطفل والقدرة على احتوائه وحسن التصرف تجاه أسئلته غير العادية.
وعلى الأسرة، بحسب بورشيك، مساعدة طفلها على تخفيف القلق الذي يعد السمة الغالبة عند الموهوب، نتيجة صعوبة التكيف الاجتماعي في الأسرة والمدرسة، وهذا يتطلب جهداً متواصلاً من طرف الأسرة، لتتمكن من متابعة الحالة النفسية والاجتماعية للطفل الموهوب.

JoomShaper