تهاني العصيمي
لا يوجد كائن عاطفي كما الأطفال، يرتبطون بمن حولهم، يتأثرون بهم ويتفاعلون معهم، يرفضون التعامل مع الغرباء إلا بعد شوط كبير من التمهيدات، يتعرض فيه هؤلاء الغرباء إلى العديد من اختبارات الثقة التي قد لا يدرك كثيرون منا أن الأطفال يجرونها في سرية وصمت على من حولهم حتى يحوزوا ثقتهم..
وهذا ما يفسر الارتباط الشديد الذي يجمع التلاميذ لاسيما في المراحل الأولية مع معلماتهم.. والتي يرى فيها الطفل أما أخرى تحس به وتتفاعل معه وتعمل على راحته.. لكن ولظروف عديدة قد يجبر الطفل على ترك مدرسته والانتقال إلى أخرى غير التي رسخ فيها أعمدة الثقة، أو يحدث تغير في المعلمة لأساب متباينة.. ما يوقع الطفل في إشكال نفسي ووجداني قد يهدد مستقبله الدراسي بالفشل حال حدوث هذا التغير خلال العام الدراسي.

إلى ذلك، يوضح الاستشاري النفسي د.شريف عزام أن الأطفال أكثر تأثراً بالتغيير من الكبار، فالبالغين قد تحكم عليهم الظروف أن ينتقلوا من مكان إلى آخر بحثاً عن فرصة عمل أفضل، أو قد ينتقل الشخص من مكان إلى آخر للحصول على سكن ومكان للإقامة أفضل من وضعه الحالي، وقد ينتقل خارج بلده بحثاً عن العلم، ومعظم هؤلاء الأفراد يتكيفون مع ظروفهم ويتأقلمون معها بسرعة باستثناء القليل منهم.

انطواء وعزلة
ويضيف الاستشاري النفسي: بينما الوضع مع الأطفال مختلف تماماً، فالطفل يتأثر سلبياً بالتغيير خصوصاً في مراحل حياته المبكرة. وهنا يجب أن نحذر من نقل أطفالنا من مدرسة إلى أخرى بدون سبب قهري، أو لأسباب من الممكن التحكم أو السيطرة عليها.. لاسيما إن تم ذلك خلال العام الدراسي ما يقطع الارتباط الناشئ بين الطفل ومعلمته.. فمثلاً نجد بعض الآباء ينقلون أبناءهم من المدرسة لأن المعلم أو المعلمة غير متعاونة مع الأهل، أو لوجود طفل دائماً ما يتشاجر أو يضرب ابنهم. وهنا قد نجد بعض الأطفال لا يستطيعون التكيف مع الوضع الجديد، وقد تصل الحالة مع بعض الأطفال إلى حدوث حالة من الانطواء أو العزلة في المدرسة الجديدة.

فروق فردية
ويبرر هذا التذبذب في شخصية الطفل بأن كل هذه الأمور راجعة إلى ما يعرف بالفروق الفردية بين الأطفال.. بمعنى أن كل الظروف والعوامل التي تؤثر سلبياً على الطفل عندما ينتقل من مدرسة إلى أخرى نجدها تختلف، أو تتوقف درجة تأثيرها باختلاف السمات الشخصية، فالطفل الخجول يحتاج إلى وقت أطول لكي يستطيع أن يتأقلم مع الوضع الجديد. بخلاف الطفل الجريء، لكن بالعموم جميع الأطفال يتأثرون بهذا الموضوع بشكل متفاوت. كما أنه إذا أعتمد الأب على عملية نقل الطفل من مدرسة إلى أخرى بمجرد شكوى الطفل من المعلم أو الأطفال فإن هذا يجعل الطفل لا يقدر على مواجهة المواقف أو الظروف التي من الممكن أن يتعرض لها في مواقف وأماكن أخرى، كما تنمي فيه عدم الصبر والتحمل والتفكير المنطقي بالمواقف السلبية التي يتعرض لها.

وليس من المعقول أن ينقل الأهل طفلهم أكثر من مرة خلال العام الدراسي الواحد لمجرد أن الابن يشتكي من زملائه بالفصل، أو لأن المعلم غير متعاون.

تعاملي بحكمة
وحول كيفية التعامل مع الطفل في حال أصر على تغيير مدرسته، يشير الاختصاصي النفسي إلى أنه إذا كان لابد من نقل الطفل لأسباب خارجه عن إرادة الأهل كتغيير العمل أو منطقة السكن، فهنا لابد للأهل أن يتعاملوا بحكمه مع هذا الموقف، وألا يستهينوا بالطفل الصغير واستيعابه لهذه الأمور، وعليهم أن يقوموا بالتمهيد له وشرح الموقف، ولا يجعلوا القرار مفاجأة له. وإذا استطاع الأهل تأجيل النقل لنهاية العام الدراسي لكي يبدأ الطفل عام جديد في مدرسة جديدة  فهذا سيكون أفضل، أو حتى يتم النقل إذا كان ضرورياً في نهاية الفصل الدراسي الأول.. مشيرا إلى أن إقناع الطفل بضرورة الانتقال في هذا التوقيت أمر لا مفر منه، وعليهم بمساندته نفسيا واجتماعيا وتعليميا للتصدي لأية اختلالات قد تعترضه.. فلطفل لابد أن يستوعب أن نقله كان بسبب الظروف وليس بسبب رغبة الأهل في حرمانه من مدرسته القديمة وزملاءه فيها.

كما يفضل أن نقترح على الطفل بإعداد حفلة بسيطة في بيته يدعوا فيها بعض أصدقاءه المقربين له، وذلك حتى يشعر بأنه حتى إذا كان سيترك المدرسة لكنه سيكون على تواصل معهم خارج المدرسة، كما أنه يستطيع أن يقيم حفلة أخرى بعد التحاقه للمدرسة الجديدة.. وأن نجعله يحتفظ بأرقام هواتفهم لكي يتواصل معهم، وأن يتصل عليهم لأنه تلقائياً سوف يحدثهم عن مدرسته الجديدة ومميزاتها وفرحته بها، وهذا سيساهم في إقناع الطفل نفسه بمدرسته وانتقاله إليها وتفاعله مع ظروفه الجديدة فيها.

لماذا يرفضها؟
حول أسباب رفض الطفل لمدرسته الجديدة يوضح د. شريف أن الطفل يجد صعوبة في التأقلم عند تغيير المدرسة والانتقال إلى أخرى، لعدة أسباب أهمها:

- عدم استطاعته تكوين صداقات جديدة بسهولة إما بسبب شخصية الطفل، أو بسبب أنه انتقل في منتصف العام، والجميع يكون قد اختار أصدقاءه من بداية العام الدراسي، وأيضا ارتبط بمعلمته وأحس معها بالأمان، فيشعر الطفل في مدرسته الجديدة أنه دخيل ووحيد بلا أصدقاء.

- اختلاف الميول والاهتمامات لدى الأطفال: كأن يكون الطفل عضو في فريق كرة القدم بالمدرسة القديمة، لكن عندما ينتقل إلى مدرسة أخرى لا يجد له مكاناً في فريق الكرة، أو يجد أن الأطفال في المدرسة الجديدة لا يحبون كرة القدم، وهنا نجد اختلاف في الميول والاهتمامات بين الأطفال والذي قد يؤثر بالسلب على الطفل وتقبله للمدرسة الجديدة.

- تأثر المستوى الدراسي للطفل: فقد يكون متفوقاً في مدرسته القديمة، لكن عندما أنتقل إلى مدرسة أخرى ولاختلاف المعلم وطريقة التدريس والمكان، نجد أنه قد لا يكون متفوقاً دراسياً كما كان في السابق، وهذا يجعله يعتقد أنه كان أفضل في مدرسته القديمة.

JoomShaper