منى أبو صبح
لاحظت الثلاثينية أم عماد الخجل الكبير على طفلها ذي الست سنوات، فهو لا يقبل أن يسلم على أحد، وعندما تصطحبه لمكان ما، ويقابل أشخاصا يبقى مختبئا بجانبها، فلا يقبل أن يتكلم مع أحد، والأدهى من ذلك أنه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه سواء من أشقائه أو الآخرين، ويكتفي بالبكاء أو الجلوس بغرفته.
وتقول "أبلغتني المعلمة أن طفلي يعاني من الخجل عندما تتحدث معه أو يحاوره أحد زملائه، وعندما يأتي دوره في الصف لتسميع الدرس أو آية قرآنية يحمر وجهه ويرفض الأمر ولا يتكلم، مع أنه يحفظ ذلك جيدا أمامي، حتى إنه يحرز علامات كاملة في الامتحانات العملية".
قلق وحرص أم عماد جعلها تتعاون مع المعلمة والمرشدة التربوية في المدرسة لتتمكن من حل المشكلة، فأفادتها المرشدة في كيفية التعامل مع ابنها ودعمه معنويا، وأطلعتها على وسائل تشجعه على الكلام والاندماج مع الآخرين.
كثيرا ما نرى أطفالا يلتصقون بوالديهما عند مقابلة الغرباء، ويمتنعون عن السلام عليهما، ويفسره الآباء على أنه خجل زائد، ويلاحظ أحيانا عند مراقبة الطفل أنه لا يُنشئ صداقات مع زملائه بالمدرسة، رغم رغبته في ذلك، ويمتنع عن مواجهة الناس، ويبكي عند الضغط عليه، ويعجز دائما عن التعامل مع ما يواجهه من مواقف جديدة أو الدفاع عن نفسه، وإذا لم يتنبه الوالدان مبكرا لهذا السلوك السلبي من قبل الطفل فقد يلازمه حتى يكبر.
الطفلة لينا في الثانية عشرة من عمرها، قررت والدتها اصطحابها لاختصاصي نفسي بعد تيقنها بأن ابنتها تعاني من مرض الخجل والانطوائية، وعندما ذهبت للعيادة أخبرت الطبيب بأنها تعاني من آلام في البطن، وهذا يعوقها عن الذهاب للمدرسة.
تقول الوالدة "في البداية رفضت ابنتي الدخول للطبيب إلا برفقتي لها، وعندما جلست كانت غير مرتاحة في جلستها، ولم تتقبل الحديث عما تشعر به، لكنني أخبرت الطبيب عن الآلام التي اشتكت منها مسبقا، وتأكيد الأطباء خلوها من أي مرض جسدي".
شرحت لينا للطبيب ما تشعر به وعدم تأقلمها في المدرسة وقلة أصدقائها، وبدأت تدريجيا بالتأقلم بالحديث معه، وبعد جلسات عدة اتضح أنها تعاني من خوف شديد نتيجة حادثة مؤلمة حصلت أمامها وهي في السابعة من عمرها.
ويبين الاختصاصي النفسي د.خليل أبوزناد، أن الخجل لدى الأطفال إذا لم تنتبه إليه الأم في السنوات الأولى من عمر الطفل وبحثها عن الأسباب المؤدية له، من الممكن أن يتحول إلى مشكلة سلوكية من الصعب التغلب عليها عند الكبر.
ويوضح أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل الطفل خجولا ومن أهمها العقاب الصارم والتدليل الزائد من قبل الوالدين، مما يجعل الطفل فاقد الثقة في نفسه ويميل إلى العزلة أو الارتباط بالأم في جميع المواقف.
ويضيف "من أهم الأسباب المؤدية إلى الخجل عند الأطفال عدم اهتمام الأسرة بمشاركة الطفل في الأنشطة الاجتماعية وتنمية مواهبه، مما يجعله يميل إلى العزلة والانطوائية كذلك التميز بين الأبناء وكثرة استخدام التوبيخ والنقد أمام الآخرين".
ويشير إلى أن هناك بعض الأعراض التي تظهر على الطفل الخجول؛ ومن أهمها الحساسية الشديدة والميل إلى العزلة والجلوس لساعات طويلة أمام التلفزيون أو الكمبيوتر، وفي بعض الأحيان "يتلعثم" أثناء الحديث.
وانتقل الخجل مع سارة (22 عاما) من مرحلة الطفولة للمرحلة الجامعية، فهي فتاة تتمتع بسمعة طيبة، تعاني من الخجل الشديد ومن الانطواء، وترى أن السبب في ذلك يعود لخوف وحرص والديها الشديد عليها.
تقول "هذه المشكلة لازمتني منذ الصغر، فلا أتذكر أنني ذهبت لزيارة صديقة لي، فكان الجواب دائما "دعي صديقتك تأتي لزيارتك"، فأنا لا أستطيع مواجهة الناس أو التعامل معهم".
وتضيف "لا يمكنني التوجه للدكتور في المحاضرة بسؤال ما، أو المشاركة في المحاضرة مثل صديقاتي، وهذه الحالة تتعبني كثيرا، وبصراحة أحاول أحيانا قراءة المواضيع الخاصة بالرهاب الاجتماعي، ومجددا قمت باستشارة طبيب نفسي وأنوي زيارته للعلاج".
وتؤكد التربوية ومديرة إحدى المدارس الحكومية د.أمل بورشيك، أهمية التواصل الفعال مع الأهل عندما تظهر عوارض الخجل لدى الطفل، فيجب على الأهل مساندة الطفل وتقبل مشكلته والاعتراف بها تمهيدا للتعامل معه.
وتوضح كيف يتم التعامل من قبل المدرسة مع الطلبة الذين يعانون من "الخجل الشديد" بالوقوف على أسبابه، وذلك بالتنسيق بين المرشدة ومربية الصف ومجموعة المعلمات ذوات العلاقة مع الطلبة، وكذلك دمج الطالب في النشاطات الجماعية في البداية حتى يكوّن صداقات تزيل أسباب الخوف لديه.
وتلفت بورشيك إلى أن خبرات الطفولة لها أهميتها بل خطورتها في المراحل المتأخرة من نمو الشخصية، فالإطار الأساسي لشخصية الفرد يتشكل خلال السنوات الست الأولى من عمر الطفولة، كذلك العادات التي تتم في مرحلة الطفولة فمن الصعب التخلص منها في مراحل لاحقة.
خجل الأطفال مشكلة ترافقهم حتى الكبر
- التفاصيل