عمر السبع
إن أساليب التنشئة تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر بل وربما تختلف أساليب التنشئة من أسرة إلى أسرة أخرى، بل داخل الأسرة الواحدة قد تختلف أساليب التنشئة من الأب إلى الأم.
ولكن إذا كان الطفل يتحدي الإعاقة، فلا شك أن هناك أساليب تنشئة يتخذها الوالدان تجاه هذا الطفل الصغير، بقصد أو بدون قصد، ولخطورة هذا الموضوع نلقي الضوء على بعض أساليب التنشئة التي ينتهجها الآباء تجاه أطفالهم المعوقين، حتى ينتبهوا إليها ويتعرفوا على آثارها.
أولًا: أسلوب الرفــــض:
إن الرفض الذي يقوم به الآباء تجاه طفلهما المعوق ينطوي علي نوعين مختلفين, أولهما: رفض شبه دائم منذ البداية، (وفي مثل هذه الحالات لا يشعر الآباء بحبهم لأبنائهم، ويوصف هذا النوع من الآباء بأنهم يحاولون إخضاع أبنائهم لبعض القواعد السلوكية باتخاذ مقاييس تتسم بالصرامة والقسوة، وقد يرجع السبب في ذلك إلي عدم تقبلهم لهؤلاء الأبناء "ذوي الإعاقة) [أساليب المعاملة الوالدية للأطفال المعوقين وآثارها].

وثانيهما: وهو الرفض الذي يكون في صورة التجاهل لرغبات الأطفال، فبعض الآباء لا يلبون رغبات أطفالهم ولا يلتفتون إلى احتياجاتهم، وهذا يدفع الكثير من الأبناء إلى الانطلاق خارج المنزل دائمًا وهذا يجعلهم في كثير من الأحيان عرضة لرفقاء السوء.

ولكن هذا الرفض من قبل الوالدين هل دائمًا يكون صريحًا؟
لا، فليس في كل الأحيان يكون الرفض صريحًا من قبل الوالدين، ففي بعض الأحيان تكون الحماية الزائدة والعطف الزائد من قبل الوالد مثلًا هو بمثابة تكوين عكسي لرفض الطفل وعدم الرغبة فيه. فقد يتميز إما برباطة الجأش واللامبالاة، والانشغال عن الطفل أو بالتسلط الإيجابي والمتطلبات الكثيرة، والعداوة المنافية للذوق السليم، وفي الرفض كثيرًا ما ينشأ الانطباع أن الوالد مبالغ في الحماية.

ففي بعض الأحيان يكون العطف الزائد والحماية الزائدة والرعاية المبالغ فيها بمثابة تكوين عكسي لرفض الطفل وعدم الرغبة فيه، وقد يكون الرفض مرتبطًا بضعف العلاقة أو سوء العلاقة بين الوالدين.

(ولذا فإن النتيجة التي تتبع، نبذ كثير من الآباء لأطفالهم أن ينمو لدي هؤلاء الآباء الشعور بالذنب، وحتى يتجنبوا هذا الشعور فإنهم يلقون باللوم – لاشعوريا – علي وجود نقص في الطفل ـ إعاقة مثلاً ـ وهكذا يصبح الطفل كبش فداء غير جذاب، فيه نقص جسمي، أو غير ذلك من الأسباب الواهية.

إن الشعور بالذنب الذي يحرك الأب والأم يكون تعويضاً لشعورهما بالنبذ أو الرفض لطفلهما، ويدفعهما ذلك إلي العناية الزائدة به والحماية المبالغ فيها، وبهذه الطريقة يطمئن الوالدان نفسيهما علي أنهما أبوان طيبان، فيغدقان علي الطفل الهدايا والملابس والأشياء الأخرى، ويرسلانه إلي مدارس باهظة التكاليف . كما أنهما يعيبان علي المجتمع والمدرسين عداواتهما لطفلهما وتحيزهما ضده، وبهذه الحيلة الإسقاطية يحقق الأبوان شعوراً بتبرير عداوتهما نحو الطفل ويخففان من حدة الشعور بالإثم) [أساليب المعاملة الوالدية للأطفال المعوقين وآثارها].

ويذهب رونالد رونر إلى أبعد من ذلك فيشير عندما يتحدث عن الرفض الوالدي إلى أن الفرض الوالدي: (قد يمتد حتى مرحلة الرشد وما بعدها، حيث يقول: "إن الراشدين الذين مروا بخبرة الرفض وهم أطفال يعانون من فقدان الحب والتقبل، كما أنهم لا يستطيعون تعويض الحب المفقود في مرحلة الطفولة"، وبالتالي تترسب الخبرة السيئة ويمتد أثرها للرشد فيصيرون منعزلين وسلبيين أثناء تفاعلهم مع الآخرين).

وعليه يمكن القول بأن الوالدين اللذين يمكن وصفهما بأنهما غير متقبلين لابنهما  يتصفان بالاستياء تجاهه وينزعان إلي التقليل من شأنه ومن قدراته وصفاته الشخصية، ولا يهتمان به ولا يسعدان بصحبته، ولا يقدمان له أي تعزيز عندما يأتي بسلوك حسن، كما أنهما لا يعبئان به ولا يحترمانه ويسخران من وجهة نظره.

ثانيًا: أسلوب إثارة الشعور بالنقص:

إن الكثير من نشاطات الطفل المعاق ـ مع الأسف الشديد ـ قد يكون مصيرها الفشل في بعض الأحيان، وهذا لا شك يؤثر على نفسيته وعلى انطلاقه ونشاطاته وحماسته، خاصة إذا كان يكثرون من توبيخه وانتقاده جراء أفعاله وتصرفاته.

ويمكننا القول بأن معايير الأداء المتوقعة من الطفل في سن معينة يكون مرجعها توقعات الوالدين لتطور الطفل ونموه، (وهذه التوقعات والمعايير يتبناها الطفل بالتدريج بحيث يصبح عنده نفس المعيار الذي عند والديه يقيس عليه تصرفاته وأداءه، وعندما يقارن الطفل ذو الإعاقة أداءه بهذا المعيار الذي حدده لنفسه يجده دون المستوي المطلوب، مما يؤدي – خاصة مع التكرار – إلي ضعف في الشخصية وعدم الثقة بالذات، وبعد وقت يقصر أو يطول – حسب مدي الإعاقة – تتكون لدي الطفل حلقة مفرغة من ضعف الشخصية وانخفاض مستوي الثقة بالذات، والفشل في الأداء، ويصبح كل منهما يقود الآخر.

فإذا لم يشعر الطفل بالقدرة علي الإنجاز فإن هذا يؤدي إلي تنمية مشاعر النقص وعدم الكفاءة لديه، وهنا تبرز مسئولية الأسرة والمعلمين في ضرورة تهيئة خبرات النجاح لكل طفل، وهذا يتطلب تحديدا دقيقا لإمكانياته تحت الإشراف والتوجيه حتى يمكنه الخروج من مرحلة الطفولة الوسطي والمتأخرة بسلام ودخول مرحلة المراهقة وهو يشعر بالكفاءة والقدرة علي الإنجاز، وإلا خرج مثقلا بمشاعر النقص إذا اعتبرت الأسرة أن ما أنجزه الطفل غير ذي أهمية.

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الطفل خلال هذه الفترة هو أن يحاط بظروف تؤدي به إلي الشعور بالنقص والدونية، فإذا توقعنا من الطفل الكثير، وإذا شعر بأنه غير قادر علي الإنجاز لأنه ذو إعاقة فقد يفتر اهتمامه وتثبط همته .

وهذا الأمر يجعله يشعر بالتعاسة لأنه لا يقوم بدور في الوسط الذي يتحرك فيه, فكثيرا ما ينتابه الشعور بالخجل لأن إعاقته شوهت صورته، فيحاول إخفاءها بالابتعاد عن الآخرين أو الحقد عليهم، وكل هذا يزعزع بناءه النفسي، وقد يعرضه للاضطراب النفسي، ويدفعه إلي أنماط مختلفة من السلوك اللاتوافقى، وأن أول ما يتأثر بهذا الوضع هو مفهومه عن ذاته فيحط من قدر نفسه، وتتباعد المسافة بين ذاته الواقعية (جسمية كانت أو نفسية) وبين مفهومه عن ذات الآخرين، كل هذا يؤدي إلي إحساسه بالنقص وضعف الثقة بالنفس وإحساسه بعدم القدرة علي السيطرة علي البيئة المحيطة لضعفه وقلة حيلته) [أساليب المعاملة الوالدية للأطفال المعوقين وآثارها].

ولذلك نجد أن الطفل الذي يعاني من إعاقة يبني ثقته بنفسه على تلك التصرفات أو الأفعال التي كللت بالنجاح وقوبلت بالقبول والترحاب والتشجيع من المحيطين به.

وعلي العكس من ذلك يقوم بعمل سلسلة من التصرفات والأفعال الخاطئة التي قد تؤدي إلي العقاب أو التأنيب من قبل والديه أو الآخرين حوله فيشعر بفقدان الثقة بالذات والإحباط، وبالتالي فقدان الثقة سيقلل من فرص نجاحه في تصرفاته ومحاولاته المستقبلية، وسيعرضه للشعور بالنقص والدونية.

ثالثًا: أسلوب الحماية الزائــدة:

إن الحماية الزائدة من قبل الوالد تسبب الكثير من المشكلات لأبنائهم، ونشير بداية إلى أن الحماية الزائدة من قبل الآباء ربما تتحول لنوع مبالغ فيه من السيطرة ورفض تدخل أي شخص في دورهم الأبوي.

(كما يؤكد الآباء في هذا الاتجاه حبهم للطفل، لكن تصرفاتهم والمبالغة في الحماية له والمشوبة بالقلق قد لا تعكس ذلك، والخطاب الذي قد يفهمه الطفل هنا أن أمك أو أباك لا يثقان بك،أنهما يعتقدان أنك لا تستطيع أن تحسن الإنجاز بمفردك.

ولعل من أهم أسباب الرعاية والحماية الزائدة إصابة الطفل بعاهة أو ضعف عقلي يدعو للعطف عليه أكثر من اللازم، فالوالدان يشعران بأنه عاجز ويختلف عن أخوته، ومن ثم فإنه في حاجة أكثر للرعاية.

ولذلك نجد أن بعض الآباء يعنون عناية خاصة بصحة أبنائهم، فنجدهم يتخذون من الأساليب اللازمة لوقايتهم من المرض، كما نجدهم ينتابهم القلق والضيق الذي يصل إلي حد الفزع والخوف حول وقاية أبنائهم من الأخطار وسلامتهم منها، ونجدهم يخافون من عدم قدرة أبنائهم علي الدفاع عن أنفسهم ضد الأطفال الآخرين، كما يميل بعض الآباء إلي إتباع بعض النظم القياسية في النظافة، وإتباع القواعد الصحية مع أبنائهم إلي درجة بعيدة.

ومثل هذه الأسرة لخوفها الشديد علي الطفل من أي مكروه، تريده أن يأكل ما لا يحبه لأنه سيغذيه، أو يأكل كميات من الطعام أكثر مما يحتاج، أو يلبس أكثر مما يحتمل حتى لا يصاب بالبرد، وتريده ألا يجري أو يلعب كغيره من الأطفال حتى لا يقع أو يجرح، وعندما يذهب إلي المدرسة غالبا ما ترافقه الأم مهما كان سنه وأينما يكون موقع المدرسة بالنسبة للمنزل، وحينما يعود تكتب له واجباته حتى لا يتعب، أو تقرأ له حتى لا ترهق عيناه، وتدافع عنه عند مدرس الفصل حتى لو أخطأ.

إن كثيرًا من الآباء الذين لديهم أطفال معوقون لا يعرفون كمية العناية والحماية المطلوبة للطفل، فهم يعتقدون أن الطفل المعوق يتطلب حماية زائدة أكثر من الطفل العادي، ولذلك فهم سيمنحونه من الوقت والجهد والنفقة المالية والمحبة الزائدة ما قد لا يكون هو في حاجة إليه وغالباً ما يلجأ الوالدان إلي المبالغة في الاهتمام بالطفل ذي الإعاقة، والإفراط في العاطفة نحوه، والخوف والشفقة عليه بقصد وقايته وحمايته, مما يؤدي هذا إلي العديد من المشكلات والصعوبات التي تقيده بدلا من إطلاق حريته أو الإسراع في دفعه نحو الاستقلال والثقة والاعتماد علي النفس ؛ مما يؤدي في بعض الأحيان بالطفل إلي الأنانية والعناد الزائد الذي يكون من الآثار المباشرة للعطف والشفقة علي الطفل) [أساليب المعاملة الوالدية للأطفال المعوقين وآثارها].

وقد يتساءل البعض، إن الحماية الزائدة من قبل الوالد في كثير من الأحيان يكون دافعها الحب والخوف على الطفل، أليس كذلك؟

ونحن نقول نعم، إن الحماية الزائدة في كثير من الأحيان تكون مغلفة بغلاف الخوف على الطفل والحرص عليه ومحبته، لكن هذا كله لا يمنع أنها اتجاه سلبي، فالبالغة في أي أمر عمومًا غير مقبولة، والأمر إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، كما أن الأطفال في كثير من الأحيان يقابلون هذه الحماية الزائدة بالرفض التام، وبذل كل جهد في محاولة للتفلت من هذه الحماية الزائدة، التي تؤرق عليهم حياتهم، وكأنهم يريدون يقولون لمن حوله: (نحن لسنا عاجزين إلى هذه الدرجة)، ولذا فهم دائمو المحاولة للتخلص من هذه الحماية الزائدة، وتحقيق الاستقلال المنشود.

وهنا نحذر ونقول، قد يكون خوف الآباء على أبنائهم الذين يعانون من الإعاقة نابع من علمهم بأنهم لن يستطيعوا الزواج، أو أن زواجهم سيتأخر، ومن ثم ستطول فترة اعتماد الأبناء عليهم؛ ولذا يبالغون في حمايتهم، وفي الحقيقة هم بذلك ربما ينزعون عنهم ثقتهم بأنفسهم، وربما يكون ذلك في حد ذاته إعاقة أكبر بالنسبة للطفل من تلك الإعاقة الحقيقية التي يعاني منها.

وفي الختام كانت هذه إشارة إلى بعض أساليت التنشئة التي ينتهجها الوالدان مع الأطفال ذوي الإعاقة، ونستكمل الحديث عن أساليت التنشئة في ذات المضمار في مقالات قادمة بإذن الله.

JoomShaper