هنادي الشيخ نجيب
طال الحديث مؤخَّرًا عن المرأة في يومِها العالمي، وعن الأم وشقائِها المحلي، وعذابها الدولي، وكم أوجَعَنا وصفُ المجتمع لها - حين تجلس في بيتها لتربِّي أطفالها - بأنها: "عاطلة عن العمل"، لكننا في الحقيقة لا زلنا إلى الآن ننظرُ إلى الموضوع بتحيُّز وتعصُّب مرفوضَيْنِ!
فماذا عن الأب "العاطل عن العمل"؟!
ماذا عن نتائج بطالتِهم وانكفائهم عن القيام بما عليهم من واجبات ومسؤوليات؟!
إن التربية - قرَّاءنا الأكارم - هي مطلبٌ أساسي يُحقِّق منافع كثيرة للمربِّي والمُربَّى على المستويين الدنيوي والأخروي.
أما قلوب أبنائنا وبناتنا، فهي كالجواهر الثمينة بين أيدينا، وهي كالصفائح الخالية من كل نقشٍ، والقابلة لكل ما يُنقَش، المائلة إلى كل ما يُمال إليه.
فتخيَّلوا لو أنَّ الآباء قدَّموا استقالاتهم من التربية والإرشاد، وأخلَوا مراكزهم، وتركوا التوجيه ومحاربة الفساد! توقُّع ممجوج، إلا أنه واقع حقيقي تدلُّ عليه آلاف الحالات المرئية والمسموعة والمكتوبة بدموع عيون الوالدين!

لقد تحوَّل الأب إلى مجرد "ماكينة" تحويلِ أموالٍ لأفراد العائلة، وفيما تعطلت وزارة التربية والتوجيه داخل الأسرة، نشطت وزارة السياحة مُمثَّلة في الوزيرة "الأم" التي عكفت على تأمين طلبيات الطعام والشراب والنزهات والملابس والزينة والاستقبالات، وبهذا تحوَّلت كثيرٌ من بيوتنا إلى فنادق خمس نجوم، تُقدِّم ما لذَّ وطاب خلال النهار، وتُؤوِي نزلاءَها آخر الليل على أَسرَّتِهم!

آباء كُثُرٌ - في ظل الضغط المعيشي - يعُودون من أعمالهم آخر النهار منهَكين مُجهَدين، فيستلمون الكنبة بعد رجوعهم، ليتناولوا طعامهم، ثم يجلسون أمام الشاشة الكبيرة أو الصغيرة (الهواتف الذكية)، لا يتكلمون، ويتضايقون إذا بادرهم أحد أولادهم بالحديث، وإذا غارت النجوم وهدأت العيون، استسلموا لنوم عميق، يُهيِّئُهم ليوم ليس فيه أي شيء جديد!

لأولئك الآباء - أمدَّهم الله بالصحة والعافية - الذين لا يجدون وقتًا لمتابعة فِلْذات أكبادهم نُقدِّم لهم نظرية "أب الدقيقة الواحدة"، وما من أحدٍ إلا سيجد هذه الدقيقة.

قصة بعنوان: "سرُّ البرتقالة"، تشرح لنا كيفية تطبيق هذه النظرية.
خرج طفلٌ صغير مع والده في نزهة إلى الحديقة المجاورة، بعد عدة خطواتٍ أخرج الوالد من كيسٍ كان يحمله زجاجةً صغيرة وبداخلها ثمرة برتقال كبيرة، تعجَّب الطفل مما رأى، وأمسك الزجاجة محاولاً إخراج البرتقالة من فوهة القنينة، وعندما لم يُفلِح سأل والده مستغربًا:

( أبي، كيف دخلَت هذه البرتقالة الكبيرة إلى داخل الزجاجة؟).
أمسك الأب يدَ طفله العزيز، وتوجَّه به إلى زاوية أخرى من الحديقة، وجاء بزجاجة فارغة وربطها بغصنِ شجرة البرتقال حديثةِ الثمر، ثم أدخل في الزجاجة إحدى الثمرات الصغيرة جدًّا، وتركها، استدار الأب مخاطبًا الصغير:
(كذلك فعلتُ مع البرتقالة التي بين يدَيْك، وضعتُها ثمرة صغيرة داخل الزجاجة، ومرَّت عليها الأيام وهي على غصنِ أمها الشجرة، تكبرُ وتكبرُ، حتى نضِجَت واستعصى خروجها من مكانها).

عرَف الطفل سرَّ البرتقالة، وزال عنه العجب، لكن الأب تابع مهمَّته الأبوية في لحظة إقبال وانتباهٍ من الصغير قائلاً:
(يا بني، سوف يُصادِفك الكثير من الناس، وعلى الرغم من ذكاء البعض وثقافتهم ومراكزهم، فإنهم قد يتصرَّفون بطُرق لا تتَّفِق مع الآداب والأخلاق، ولا تتناسب مع قِيَم مجتمعهم؛ لأن عاداتهم الذميمة وأساليبهم غير المستقيمة غُرِست في نفوسهم منذ الصغر، فنَمَت وكبرت، وتعذَّر خلاصُهم منها، مثلما تعذر عليك إخراج البرتقالة من فوهة الزجاجة).

قرَّاءنا الأفاضل، ما نراه اليوم من سوء خُلق لدى الأبناء، وقلة الاحترام والوفاء، إنما هو عقوق متبادَل؛ كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل لم يحمل ولده على فِعل الخير، ولم يزرع في نفسه بذرة الصلاح: (لقد عققتَ ولدك قبل أن يعقَّك!).

ماذا نسمي الأبناء المحرومين من زرع آبائهم بذورَ الخير في نفوسهم، بحجة تأمين لقمة تسُد جوع بطونهم؟!

كم هو مؤلم قول الشاعر فيهم:
ليس اليتيمُ من انتهى أبواه     من الحياة وخلَّفاه ذليلا
إنَّ اليتيمَ الذي تلقى له

أمًّا تخلَّت أو أبًا مشغولا!

عقوق متبادل، وبذرة فاسدة، وثمرة مُرَّة، وحساب طويل، إذا لم يَعُدِ الأب راعيًا ومسؤولاً عن رعيته.
أيها الآباء المحترمون، التربية التي نريدها منكم هي التي تعدُّ الأبناء وَفْق منهج واضح ومدروس؛ ليدخلوا مدرسةَ الحياة بكل قوَّة وإصرار، وثبات على المبادئ والأخلاق.من خلال "أب الدقيقة الواحدة" تتحوَّل عملية التربية إلى استثمار ذكي للمواقف والأحداث، وتنمية مستدامة لا تحتاج إلى وقت طويل، وتتحوَّل إلى مجموعة مشاهدات يستثمرها الآباء بالتحليل السليم والتفكير المتوازن.

رحم الله الشاعر محمد إقبال الذي خاطب الأب ناصحًا إياه:
(يا مربِّيَ الجيل الجديد، ألقِ عليهم دروسَ التواضع والاعتزاز بالنفس، علِّمْهم كيف يشقُّون الصخور، ويدكُّون الجبال).
إننا نريد آباءً يزرعون البرتقال، ونحن موقنون بأن النتيجة حتمًا ستعجب الزرَّاع وقتَ الحصاد.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Social/0/69673/#ixzz2zohq4PVq

JoomShaper