لها أون لاين
نحن بالفعل أمام أجيال مختلفة تماما عن أجيالنا، فبعض ما كان يصلح أن يواجه به فضولنا لا يصلح أن يواجه به فضول أبنائنا اليوم، وبعض ما كان يصلح أن يقال لنا في صغرنا، لم يعد صالحا أن يقال لأبنائنا اليوم.  وللأسف هذا ما لا يستطيع تفهمه الكثير من الكبار.
وكذلك فإن المنهج التلقيني الصارم الذي اتبعته بعض السياسات التعليمية في أرجاء وطننا العربي، والذي نجح إلى حد كبير في القضاء على ملكة التفكير عند أجيالنا، لم يعد صالحا البتة في التعامل مع الأجيال اللاحقة.
حكى بعض المعلمين أن أحد الطلاب بالمرحلة المتوسطة ـ وهو بنظرنا في سن صغيرة ـ جادل معلمه أمام التلاميذ حول منع المعلم لأسئلة الطلاب، والتهرب من الإجابة عليها، فقال الطالب بكل وضوح: مع احترامي لك يا أستاذي إننا نتعلم بطريقة عقيمة، لا تتيح للطالب أن يتكلم أو يسأل أو يفكر، فقط يحفظ، وهذا هو سر التخلف والضعف الذي نعانيه في عالمنا العربي!

عقدت المفاجأة لسان المعلم، فلم يجد بدا إلا أن يقول: معك كامل الحق يا بني، ولكنه اندهش، كيف لهذا الصغير أن يدرك هذه الحقيقة، فجيلنا أكثرهم لم يدركها إلا بعدما عاش عقودا من الزمان، وكثير من الذين ينتمون إلى جيلنا لم يدركوها بعد!
وتساءل المعلم: هل هذا الصغير ـ ووعيه يكبر يوما بعد يوم ـ يمكن أن يتلقى منا أو يقتنع بنا.

لازلنا حتى الآن نسمع بعض الآباء أو المعلمين وهم يتكلمون بضجر عن ذلك الابن الذي يسأل كثيرا أو هذا الذي يتفلسف في كل شيء. معتبرا بعضهم ذلك علة قادحة في شخصيته، تشير إلى نقص يقوم بتعويضه من خلال شهوة الكلام أو حب الظهور.
والبعض لازال يندفع إلى كبت هذه النوعية من الشخصيات المستفزة بنظره، من خلال الزجر أو السخرية من أسئلته أو التحقير من شأنه أمام الآخرين.

إن إجابة الأسئلة في هذا الزمان ليست بالصعوبة التي كانت من قبل، فبإمكان الأبناء أن يصلوا إلى الإجابات بقليل من الجهد والبحث، فلم يعد الكبار من الآباء والأجداد والمعلمين هم وحدهم مصدر المعرفة، وهو الأمر الذي نخشاه أن تتجاوزنا هذه الأجيال القادمة ـ إن فشلنا في احتوائها وإقناعها ـ لتتمرد على أفكارنا بل وقيمنا كذلك!

إن المطالع في كتاب الله تعالى يلفت انتباهه هذا الزخم الهائل من الدعوة إلى التعلم والتدبر والتفكر والتذكر والتعقل والتأمل، كما يلفت انتباهه كذلك تكرار عبارة (يسألونك)، سواء كان عن الروح أو المحيض أو الخمر أو اليتامى أو الأهلة، بل إن الأمر بالسؤال مباشر في كتاب الله تعالى: "فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ"سورة الأنبياء 7.  وإن كان العلماء يتكلمون عن كراهة السؤال فيما لا طائل منه عادين ذلك من باب اللغو المنهي عنه، فإنهم يجعلون السؤال واجبا في الأمور التي لا يسع الإنسان جهلها (إنما دواء العي السؤال).

JoomShaper