هناء المداح
لا يكاد يخلو  بيت من حدوث الخلافات الزوجية بسبب أمور مهمة أو تافهة، نظرًا لتباين السمات الشخصية والطباع والأمزجة والعادات بين الأزواج، إضافة إلى كثرة الضغوط والأعباء والصعاب التي يواجهونها على المستويات كافة، وما إلى ذلك من حدوث أمور  عارضة أو طارئة من شأنها تعكير صفو الحياة الزوجية ومن ثم تأجيج نار الخلاف الذي ربما يصل إلى حد الضرب والسب وتبادل الاتهامات... إلخ..
المؤسف أن الكثير من الآباء والأمهات يختلفون ويتشاجرون أمام أبنائهم الأطفال والمراهقين، غير عابئين بخطورة تلك الخلافات التي تلقي بظلالها السلبية على صحتهم الجسدية والنفسية، حيث تتسبب في إصابتهم  بالصداع المتكرر وفقدان الشهية والتبول اللاإرادي وآلام عضوية أخرى مجهولة المصدر، فضلًا عن  إصابتهم بالاكتئاب والقلق والخوف الدائم وتأخر تحصيلهم الدراسي وعدم استقرارهم نفسيًا ومعاناتهم من أفكار سلبية تستمر معهم طويلا،   وفقدهم الثقة بأنفسهم وجعلهم انطوائيين، وإذا اختلطوا بزملائهم في المدرسة كان سلوكهم عنيفًا عدوانيا، مما يجعلهم منبوذين ومكروهين من الجميع..

تجدر الإشارة إلى أن الأطفال الرُضَع ليسوا بغافلين عما يحدث حولهم كما يظن العديد من الآباء والأمهات، بل يشعرون ويتأثرون بكل شيء - لاسيما الخلافات والمشاحنات التي تعلو خلالها الأصوات، مما يصيبهم باضطرابات في النوم ويؤثر سلبا على نمو  وظائف المخ عندهم لاحقا..

أما الأبناء المراهقون فغالبًا ما تدفعهم تلك الخلافات العنيفة إلى الانحراف بشتى صوره هروبًا من واقعهم الأليم، حيث يبدأ الكثير منهم  في تعاطي السجائر والمواد المخدرة، وقد ينخرطون في ممارسات غير قانونية كالبلطجة وإقامة علاقات مشبوهة محرمة نتيجة للبيئة القاسية غير الآمنة التي نشأوا فيها..

قد يظن بعض الآباء أن الخلافات الزوجية الدائمة وعدم التفاهم لا يؤثر على أبنائهم طالما لم يكن هناك عنف ملحوظ بين الأبوين سواء على المستوى الفعلي أو اللفظي، لكن الحقيقة أن مجرد عدم وجود التفاهم الكافي والألفة بين الزوجين يؤثر سلبا على الأبناء، وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون، فإن تكرار تلك الخلافات لا يجعل الطفل يتقبلها بسهولة ولا يعتاد عليها بل على النقيض تزيد من الضغوط النفسية عليه..

ولذلك يجب على الآباء والأمهات العمل على حل الخلافات الموجودة بينهم وتقريب وجهات النظر وأن يفكروا في صحة أولادهم النفسية، ويستحسن أن يكون الجدال بين الزوجين بعيدا عن الأبناء حتى لا  تهتز صورتيهما أمامهم ويظل كل منهما قدوة حسنة وموضع ثقة وتقدير.

كما ينبغي أن يتجنب الوالدان الكذب إذا ما اختلفوا وتشاجروا أمام الأبناء حتى لا يقعوا في حيرة أمام موقفين متناقضين ، فالصحيح في هذه الحالة هو الاعتراف بالخلاف وتقديم تفسير لما حدث لمنح الأبناء فرصة فهم الخلاف دون اتخاذ موقف يؤيدون فيه أحدهما دون الآخر..

وليعلم كل أب وأم أن اختلافهم بعيدًا عن أبنائهم وتوفير جو آمن هادئ  خالي من الصخب والضجيج والانفعالات العنيفة داخل البيت، يجعلهم مستقرين نفسيا وأصحاء بدنيًا ومتفوقين دراسيًا وناجحين في علاقاتهم الاجتماعية بل ومؤثرين في مجتمعهم إيجابا.

JoomShaper