مي عباس

حصل ابنها على مجموع كبير في اختبارات نهاية العام، تجاوز ال95%، لم يضع جهده وجهدها معه، فرحت به وأثنت عليه، وقررت أن تحتفل به.. وشعر هو بالسعادة وامتلأ قلبه بشكر الله تعالى.. ولكن الأمور لم تستمر هكذا طويلًا، فقد فاجأته أمه بسؤال كان يتمنى لو تناسته:

ماذا فعلت "فلانة" زميلتك؟... "فلانة هذه ابنة صديقتها".

أجاب الفتى: لا أعلم بالتحديد يا أمي..

التقطت الأم سماعة الهاتف وسارعت لمحادثة صديقتها، سألتها عن نتيجة البنت، لتعرف أن مجموعها يفوق مجموع ابنها ببضع درجات، فتحول فرحها غمًا، وبكت بحرقة كأن ابنها رسب، تجهمت في وجهه، واعتزلت الحديث معه، بعد أن ألقت في وجهه عبارة نارية شوهت قيمه وفكره:"قل لي بالله عليك كيف تهزمك فتاة؟.. كيف تركتها تهزمك؟!".

هكذا إذًا شعر الفتى بأنه هُزم في معركة، وبأن رجولته الناشئة في خطر، وبأن تفوقه ودرجاته الرائعة لا تعني شيئا ولا تشفع له ما دام قد فاقه غيره..

هذا السلوك المريض من الأم رسّخ داخله ألا يهتم ببذل الجهد، وألا يبحث عن تقييم صادق لنفسه، فهذا كله لا يهم، فعنوان نجاحه وتقديره لذاته وتقدير الآخرين له هو أن يفوق الآخرين..

شعر بالندم على المرات التي قدم فيها مساعدات للفتاة المنافسة، تمنى لو يعود به الزمن لئلا يخبرها باسم هذا الكتاب المساعد الذي استفاد منه فاشترته هي الأخرى، وعلى الطريقة التي علمها لها لحل المسائل التي كانت تصعب عليها.

لقد نقلت له أمه واحدة من أسوأ خصالها، وحقنت في روحه سُمّا زعافا سيقضي عليها في وقت قصير، إنه التحاسد والحقد، وهشاشة النفس التي تدهسها المقارنات في كل لحظة وفي كل شيء.

الحياة ليست معركة، والنجاح يسعنا ويسع غيرنا، وتفوق الآخرين يقوينا أيضا، ولا يكتمل الإيمان حتى يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، الفرص ليست محدودة إلا في نظر من يستسلم لوعد الشيطان بالفقر، فمن الحماقة الشديدة أن نقارن أنفسنا أو اولادنا بالغير فلكل إنسان ظروفه وتميزه ومسارات نجاحه فقط إذا لم نسدها أمامه بمتاريس الحقد وإذلال النفس أمام الآخرين بالمقارنات المستمرة والغبية.

JoomShaper